First Published: 2016-05-08

العصري الظاهري وسرّ نجاحه المغربي

 

لم يكن نجاح 'أبو أحمد' في المغرب نجاحا لدولة الامارات فحسب. كان نجاحا خليجيا ومغربيا ايضا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

منذ التحاقه بالسلك الديبلوماسي في العام 1978، الى تقليده لارفع وسام مغربي قبل شهرين، عندما استقبله الملك محمّد السادس، يختزل السفير العصري الظاهري النجاح الذي يمكن ان يحقّقه عدد قليل من الديبلوماسيين في عالمنا. هؤلاء يتركون بصمة حيثما حلّوا، فضلا عن انّهم يعطون صورة حقيقية ذات طابع ايجابي وحضاري عن البلد الذي اتوا منه ومثلوه.

شغل العصري الظاهري موقع سفير دولة الامارات العربية المتّحدة في الرباط بين العامين 2011 و2016. كان يمكن ان يغادر العاصمة المغربية مثله مثل اي سفير آخر، اي بزيارة وداع بروتوكلية للعاهل المغربي. لكنّ محمّد السادس، الذي يتابع التفاصيل بدقّة ليس بعدها دقّة، ابى الّا ان يكرّم العصري، او "ابو احمد" كما يسميه اصدقاؤه والمقرّبون منه. جاء تكريمه، بتقليده الوسام الارفع في المغرب، بمثابة تكريم لدولة الامارات التي عرفت باكرا اهمّية المغرب من جهة واهمّية العلاقات الوثيقة بين البلدين من جهة اخرى.

ادرك العصري الظاهري باكرا ماذا تعني مهمّته في المغرب. وفّر له وجوده في المملكة المغربية مناسبة ليعبّر بالملموس عن فهمه لطبيعة العلاقات بين البلدين ولاهمّية المغرب نفسه وللدور الذي تستطيع الامارات لعبه في مجال المساهمة في نجاح التجربة المغربية الفريدة من نوعها في عالمنا العربي.

يعود نجاحه الى التراكم في الخبرة لدى ديبلوماسي عرف كيف يعلي شأن الموقع الذي هو فيه. صحيح ان هناك ديبلوماسيين يشغلون مواقع في بلدان وعواصم ومدن مهمّة، لكنّ الصحيح ايضا ان هؤلاء لا يستفيدون من التجارب التي مرّوا فيها، بالمقدار الكافي. هؤلاء يعتمدون على المنصب كي يعلو شأنهم، في حين ان آخرين مثل العصري يرفعون من شأن المنصب الذي هم فيه.

استطاع العصري الظاهري الذي مر بجنيف كديبلوماسي مبتدئ ثم كرئيس للبعثة الديبلوماسية الاماراتية لدى مقرّ الامم المتحدة في هذه المدينة السويسرية انّ يصنع فارقا. في النهاية لا شيء ينجح مثل النجاح. صنع فارقا اينما حلّ، اكان ذلك سفيرا في المنامة او واشنطن او الرياض... وصولا الى الرباط.

لماذا نجح العصري الظاهري ولماذا استحقّ كلّ هذا التكريم المغربي؟ يكمن سرّ العصري الظاهري في انّه عاشق لبلده ومؤمن بمدرسة الشيخ زايد بن سطان آل نهيان، رحمه الله، وهي مدرسة، ذات طابع انساني، قائمة على بناء جسور التعاون وبناء المصالح المشتركة. مدرسة تجمع بين الفكر السياسي العميق والتعبير عنه بافكار بسيطة مرتبطة بالمنطق يستطيع المواطن العادي استيعابها.

ليس سرّا انّ تجربة دولة الامارات العربية المتحدة كانت التعبير الاوّل عن رؤية الشيخ زايد التي ورثها عنه ابناؤه. فالانجاز الاوّل الذي حقّقه الشيخ زايد كان انجازا داخليا بتوحيده بين الامارات السبع وتحويلها الى دولة عصرية ذات تجربة متقدّمة في كلّ المجالات من دون اي عقدة من ايّ نوع كان. بنى مصالح مشتركة بين ابناء شعب واحد انصهر في دولة الامارات اوّلا. انتقل بعد ذلك الى محاولة تعميم هذه التجربة في كلّ العالم العربي.

كانت العلاقات الاماراتية ـ المغربية متطورة اصلا، خصوصا انها بنيت على اسس سليمة بعيدا عن الشعارات والمزايدات. بناها رجلان واقعيان هما الشيخ زايد والملك الحسن الثاني، رحمهما الله. استمرّت هذه العلاقات في التطوّر في كلّ الاتجاهات في عهد محمد السادس وصولا الى ما وصلت اليه بفضل بعد النظر الذي يتمتع به محمّد السادس وابناء الشيخ زايد، على رأسهم رئيس الدولة الشيخ خليفة وولي عهد ابوظبي الشيخ محمّد بن زايد.

جاء اختيار العصري الظاهري ليكون سفيرا في الرباط بمثابة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في المرحلة المناسبة وذلك في اطار يتجاوز العلاقة بين بلدين عربيين يستطيع كلّ منهما ان يلعب دورا مكملا للآخر. لعب سفير الامارات الجديد دورا فاعلا، بتوجيهات القيادة، من اجل توسيع اطار العلاقة الثنائية كي تصبح علاقة مغربية ـ خليجية. فمنذ العام 2012، اي يعد سنة من تولي العصري سفارة الرباط، بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين المغرب والاردن من جهة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية من جهة اخرى.

من ميزات العصري الظاهري قربه من القيادة الاماراتية وتواضعه وقدرته على استيعاب الامور المعقّدة. ساعده ذلك في تسهيل مهمّته، خصوصا ان عامل الثقة الآتية من القيادة الاماراتية في غاية الاهمّية لنجاح السفير، اي سفير. فكيف اذا كان عامل الثقة هذا مبنيا على التجربة العميقة التي تولدت من محطات جنيف وواشنطن والرياض والمنامة؟ لكل مدينة من المدن الاربع ما توفّره للسفير الذي يخدم فيها. لكلّ مدينة من المدن الاربع نكهة خاصة بها وعالمها.

تساعد جنيف في فهم كيف تعمل الامم المتحدة عبر مقرّها الاوروبي وفي سبر اغوار كواليسها. وتساعد واشنطن في فهم كيف يُتّخذ القرار في عاصمة القوّة العظمى الوحيدة في العالم. وتساعد الرياض في معرفة الكثير، بما في ذلك مراقبة التجاذبات مع ايران، فضلا بالطبع عن الصعود والهبوط في العلاقات الاميركية ـ السعودية. وتساعد تجربة المنامة في استيعاب مدى خطورة المشروع التوسّعي الايراني القائم على اثارة الغرائز المذهبية في المجتمعات الخليجية والعربية.

جاء العصري الظاهري الى الرباط حاملا كلّ هذا التراكم في الخبرات والتجارب، اميركيا واوروبيا وخليجيا وعربيا. لم يكن نجاحه في مهمّته المغربية وليد صدفة، خصوصا انّه فهم تماما اهمّية المغرب واهمّية التجربة التي يقودها محمّد السادس في ظل تحدّيات داخلية واقليمية ودولية. كان لا بدّ من مساعدة المغرب في مواجهة كلّ هذه التحديات، ذلك ان امن الخليج وامن المغرب واحد.

لم يكن نجاح العصري الظاهري في المغرب نجاحا لدولة الامارات فحسب، كان نجاحا خليجيا ومغربيا ايضا، خصوصا ان الامارات لعبت الدور المطلوب منها من اجل التمهيد لانعقاد القمّة المغربية ـ الخليجية في الرياض.

اكّدت هذه القمة التي جمعت، قبل ايّام، الملك محمّد السادس وقادة دول الخليج العربي مغربية الصحراء. للمرّة الاولى، هناك موقف موحد يعي تماما ان كلّ ما يمس الامن الخليجي يمس المغرب وكلّ ما يمس امن المغرب يمس امن الخليج. هناك للمرّة الاولى ايضا موقف خليجي لا لبس فيه لا يترك مجالا لأي شك بان الصحراء مغربية وان هذا النزاع، انما هو نزاع مفتعل تقف خلفه الجزائر منذ ما قبل العام 1975.

سيفتقد اصدقاء العصري ابتسامته وروحه الطيّبة واخلاقه العالية وعمق فهمه السياسي، كلما زاروا الرباط.

تعويضهم عن غيابه عن العاصمة المغربية وعن كلّ مدينة من مدن المملكة، من اصيلة الى مراكش مرورا بالدار البيضاء طبعا، في انّه ساهم، بتوجيهات من القيادة في ابوظبي في استكمال وضع الاسس لعلاقات متينة وراسخة بين بلدين عربيين بات يكمل كلّ منهما الآخر. لم يكتف بذلك، بل انسحبت هذه العلاقة على دول الخليج ايضا. هل من نجاح اكبر من هذا النجاح لديبلوماسي عرف كيف يوظّف تراكم الخبرة في خدمة بلده وكلّ ما هو عربي في المنطقة.

هذا وفاء من رجل عربي للشيخ زايد ومدرسته قبل ايّ شيء آخر واكثر من ايّ شيء آخر.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>