First Published: 2016-05-09

تركيا: عن 'هزيمة' أوغلو!

 

لن تكون تركيا كما تخيّلها أوغلو أمة متعددة في اللغة والثقافة والقومية. فتركيا من بعده هي تركيا إردوغان ووفق أجندة أردوغان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

سيسيل حبر كثير لتفسير هزيمة أحمد داوود أوغلو، وقد كان سيسيل أيضاً لو جاء الكلام ليصف انتصاره. أما وقد رحل الرجل عن موقعيه على رأس الحزب ورأس الحكومة، فإن التقييم البليد سيسهب في رصد المنحنيات اللافتة التي أودت به إلى الإنزلاق التام.

يدفع صاحب نظرية "صفر مشاكل" ثمن رؤيته الطوباوية لتركيا والمحيط، كما لمفهومه للسياسة وممارسة السلطة. بارح الرجل موقعه المتأمل الذي وفّر له أن يكون مفكراً أكاديميا يرتقي به البعض إلى مرتبة الفيلسوف، واقترب بوتيرة صاعدة من موقع الحكم والحاكم. في تلك المسيرة يكتشف أوغلو وهن نظرياته، وربما سذاجة مقاربته لشروط السلطان.

حمل البروفسور أحمد داوود أغلو عصارة نظرياته عن "العثمانية الجديدة" وراح يجول بها على العالم مبشراً. أراد وزير الخارجية التركي ما بين 2009 و2014 أن يخترق العالم من شرقه إلى غربه من خلال ردم الفجوات وتنفيس الانتفاخات ومعالجة الأورام. اعتبر في المرحلة الأولى أن أمر تصفير المشاكل متاح، حتى أقنعنا أن إرادة عجيبة تخرج من عباءته ومن تحت خيمة قبيلته السياسية لتجاوز المعضلة التاريخية مع الأرمن أو تلك القديمة الراهنة مع الأكراد والقفز ما فوق التاريخي العثماني وأدبياته لدى العرب والابحار نحو أوروبا والتحليق فوق الفضاءات في آسيا. بيد أن راهن تركيا في المشهد الإقليمي والدولي الحالي يثبت أن التصفير ليس قراراً تمسك به النوايا الذاتية، بل فعل تؤكده أو تنفيه إرادات الآخرين.

من السريالية المرّة أن أوغلو المبشّر بتصفير المشاكل هو نفسه من قاد دبلوماسية بلاده في عصر المشاكل الكبرى. كيف لمن اختار سحب بلاده من أي تصادم وتدوير زوايا أي تباين مع الآخر أن يقود انقلاب سياسة بلاده الخارجية. والاشكالية ليست في تبدّل سياسة تركيا الخارحية وانقلاب تحالفاتها الإقليمية والدولية، فذلك عادي في مسارات الأمم، لكن العجب هو في استمرار أوغلو في التبشير بشيء والعمل على نقيضه.

من تلك اللحظة، بين النظرية والفعل، بدا مأزق أوغلو جلياً. للمتأمل أن يستنج أنه طاب للرجل التظلل بسقوف السلطة، وبالتالي ضاق أفقه في فهم التحوّلات، على ما يبرع في رصده الفيلسوف المفكر. لم يعرف أوغلو أن الابحار في بحور السلطة يستدعي الاستمرار في الابحار دون كلل بحثا عن شاطئ متخيّل لن يجده أبداً.

ينتقل أوغلو من موقعه الدبلوماسي إلى رأس السلطة التنفيذية رئيسا للحكومة عام 20014. عوّل رجب طيب أردوغان على أوغلو المثقف لكي يمعن في التنظير لسلطانه على رأسي الحزب والحكومة. لم يتوقع إردوغان أن "رجله" المخلص سيختبر شؤون الحكم إلى درجة تخيّله أن السباحة دون معلم باتت ممكنة. فحزب العدالة والتنمية بالنسبة لإردوغان هو أداة لسلطانه، ورجال الحزب الكبار جنود في حملاته، فكيف لأوغلو أن يتجرأ على التشكيك بشرعية مسعى الزعيم لنظام رئاسي يجعله سلطان زمانه.

بعين المفكر رأى أحمد داوود أوغلو في انتصار حزبه في الانتخابات الأخيرة ثقة يجددها الناخب للحزب الذي يحكم البلاد منذ عام 2002. وبنفس تلك العين رأى الفيلسوف أن عدم الحصول على أغلبية مطلقة هي رسالة رفض وجهها الناخب للنظام الرئاسي الذي يلهث إردوغان وراء فرضه.

وبعين السياسي العتيق راح رجب طيب إردوغان يعطّل مساعي إئتلاف حكومي كان يسعى إليه أوغلو بعد انتخابات نوفمبر 2014 ويدفع باتجاه انتخابات مبكرة استعاد بها الحزب مواقعه (يونيو 2015). بدا أن إردوغان ربح الرهان/المغامرة من خلال فوز الحزب، فيما رفد عدم حصول الحزب على الأغلبية المطلقة رأي أوغلو في المحافظة على النظام البرلماني ولفظ ذلك الرئاسي الإردوغاني.

أراد البعض تشبيه الثنائي أردوغان - أوغلو بالثنائي بوتين - ميدفيديف. كان ذلك ليكون صحيحاً لو اكتفى "رجل" إردوغان في السكون إلى وظيفته وعدم الطموح بتجاوز خطط الزعيم. لم يلحظ أوغلو أن إردوغان لفظ يوماً صديقه عبدالله غول الذي رفض نموذج الثنائي الحاكم في موسكو، ولم يلحظ أن إردوغان أبعد القياديين المؤسسين عن انتخابات نوفمبر، فجاءت نتائجها ضعيفة، ليعيدهم برشاقة إلى لوائح الترشيح في انتخابات يونيو التالية. لم يلحظ "الدكتور" أن الحزب في الشكل والمضمون والشخوص مسخّر لإنتاج السلطة، خصوصاً سلطة الزعيم، وأن سحب الحزب من أوغلو صلاحية تعيين رؤوساء فروع الحزب، هو تماما سلوك هدفه صيانه تلك الآلة وتفاصيلها في خدمة الزعيم.

كان للسلطان ما أراد ووقع المفكر على اللائحة القيادية للحزب التي أخرجت "الثقيل المزعج" مهما كان وازناً. من تلك اللائحة لاحظ أوغلو خروج نائب رئيس الوزراء بولنت أرِنتش، الذي تحرأ يوماً على معارضة إردوغان في مسألة التعامل مع مظاهرات غازي بارك عام 2003.

إردوغان لاعب كرة قدم عتيق يجيد المناورة واختيار اللاعبين ومقاصد ركلاته، وهو وإن مرر كرة إلى أوغلو فهي لكي تعود إليه أو لكي تسجّل في أهداف الخصوم لصالحه. لم يدرك أوغلو أن إردوغان في مبارياته يملك الفريق واللاعبين والملعب والحكام، وربما الجمهور الذي سيتوجه إليه متوسلاً طموحاته الرئاسية

لن تكون تركيا كما تخيّلها أوغلو أمة متعددة في اللغة والثقافة والقومية. فتركيا من بعده هي تركيا إردوغان ووفق أجندة أردوغان. لم يتأخر رجل تركيا القوي في الإفصاح عن خططه، لن يستجدي برلماناً ولن يناور مع إئتلاف. يريد لاعب الكرة أن يسمع تصفيق الجمهور. إليه سيتوجه للإستفتاء على الدستور الرئاسي، وفي سبيل ذلك يستنفر عدّة تخلط ما بين الشعبوية والغرائزية، هكذا دائماً في التعامل مع الكتل البشرية على مدى التاريخ. شكر إردوغان "الدكتور" وراح ينشد قصائد مظلومية المسلمين في العالم، فتلك جرعات ستأتيه بالناس شاهرين أصواتهم الانتخابية مباركين في الإستفتاء العتيد لسلطان تركيا الجديد.

سيعين برلمان الحزب في 22 من الشهر الجاري رئيساً جديداً للحزب، وبالتالي رئيساً جديداً للحكومة. لا نعرف الشرعية الموضوعية لذلك في النظام الديمقراطي (طالما أن القانون يسمح)، ذلك أن الناخبين أتوا بحزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أحمد داوود أوغلو، قاصدين أن يبقى الرجل رئيساً للحكومة، وليس من سيخلفه من وراء ظهرهم. لا يهم من سيكون الخليفة، فهو بالتأكيد سيكون بيدق إردوغان الجديد. يغادر أوغلو السفينة دون صخب، إما لأنه لن يعود إلى ركوب السفن ومخر الأنواء زاهداً، أو لأنه ينتظر وصول موجة كبرى تعود به إلى الواجهة. فالسلطة علّة لا نعرف إذا أتيح للمفكر أن يبرأ منها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>