First Published: 2016-05-12

الهيبة الضائعة للمسؤولين في مصر

 

وقف عملية ضياع الهيبة عند كل صاحب سلطة يستوجب علاجا سريعا وحاسما.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

كل مراقب لتطورات الحياة في مصر ينتابه القلق عندما يمعن النظر في توجهات وممارسات عدد كبير من المسؤولين، في قطاعات مختلفة ومجالات متباينة، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وإعلامية وتعليمية وغيرها، حيث يجد داء غريبا، يمثل سمة مشتركة لدى غالبية من أصبحوا في الصدارة، يتعلق بفقدان الهيبة للشخص والمنصب معا.

مضى وقت كان المنصب يضفي على صاحبه هيبة طاغية، بصرف النظر عن شخصيته، قوية أم ضعيفة، وقد لحق جيلي قدرا من الحسم والحزم في إدارة الأمور، من جانب كل من تبوءوا مواقع المسؤولية، وكانت النظرة الحادة كافية للتعبير عن الشدة، والابتسامة البسيطة كفيلة أن تفتح الأبواب المغلقة.

الآن لم يعد الصوت العالي لدى عدد كبير من المسؤولين دليلا على الغضب، ولم تعد القهقهة مؤشرا على الرضا، فمن السهولة أن ينتقل الصراخ إلى هدوء، وأضحى من المعتاد أن يتحول الصمت إلى بركان على وشك الانفجار، وفي الحالتين لا توجد بوصلة تشي بنتيجة محددة، أو يمكن فهم ما يريده هذا المسؤول أو ذاك.

المسألة تجاوزت هذه الحدود، ووصلت إلى مستوى التضارب في القرارات، والتناقض في المواقف، وكلنا يتابع المشاهد الساخرة لأحد رؤساء الأندية الرياضية، فالقرار الذي يتخذه بالليل، يمحوه عندما يأتي عليه النهار، والعكس، للدرجة التي لم يعد أحد يعتد بقراراته الصارمة حيال لاعبيه.

يبدو أن هذه الحالة أصبحت شائعة ولا فرق بين وزير أو رئيس برلمان أو نقيب لجماعة مهنية أو مسئول كبير في أي مؤسسة، فالكل في الهم واحد، هيبة مفقودة، وشخصيات منعدمة الحضور، وقرارات متناقضة، وتقديرات متضاربة، حتى أصحاب المواقف السياسية الثابتة تعلموا المناورة والالتفاف وتبنى رؤى مائعة ذات صبغة مطاطية، تسمح بتفسيرات عدة، وتعطي ذويها فرصة للقفز فوق الحبال المتحركة.

المسألة خرجت من النطاق الفردي، وتجاوزت حدود حصرها في وزير أو مؤسسة بعينها، فقد تحولت إلى ما يشبه الظاهرة، وهو ما جعلني أدقق النظر في تصورات وتصرفات كثير ممن قادتهم الظروف إلى تولي مناصب مهمة في مصر، وأخلص بخمسة محددات رئيسية، يمكن أن تساعدنا على فهم الحالة المرتعشة، التي انتشرت روافدها في مجالات مختلفة، بما أصاب الجهاز المؤسسي بشلل، انعكس على كثير من مناحي الحياة، وجعلت الرئيس عبدالفتاح السيسي يتحدث عنها في أحد المرات، عندما أبدى استعداده للتوقيع على القرارات بنفسه، نيابة عن أي مسؤول "متردد أو مرتعش".

الأول، ضعف المهارات لدى النخبة المصرية، نتيجة سنوات التجريف التي جرت في البلاد على مدار العقود الماضية، وافتقاد القدرة على الخيال والإبداع، وعدم وجود نخبة تمثل صفوة العقول التي تتبوأ المسؤولية، وقد وصل الأمر إلى ترشيح عشرات الوزراء لاختيار واحد منهم يصلح لتولي حقيبة معينة، كما تم ترشيح أكثر ألف وستمائة شخصية لاختيار 28 منها لتعيينهم في مجلس النواب، وهو ما يدل على ندرة وحيرة في التقاط الكفاءات، وعندما يكون هذا حال الاختيار في هذه المناصب فما بالنا في من هم أقل؟

الثاني، انزواء أصحاب الكفاءات والعزوف عن تولي المناصب، بل والزهد فيها، الأمر الذي فتح الباب أمام أنصاف المواهب لاحتلال مناصب لم يحلموا بها من قبل، ويزداد الموقف سوءا في ظل عدم التخلي عن المجاملة ونظرية أهل الثقة التي لا تزال نشطة، والدور المحوري الذي تلعبه الاعتبارات الأمنية في الاختيارات، ما يمنح عديمي الكفاءة فرصة للتقدم واحتلال الصدارة، وبالتالي الوقوع في سلسلة من الارتباكات، جعلت من النظام بأكمله محل انتقاد.

الثالث، تراجع المزايا المادية والمعنوية، التي كان يتحصل عليها كل صاحب منصب رفيع، ساهم في انصراف عدد ممن لديهم قدرة على حسن القيادة في الحكومة، وتحولوا إلى القطاع الخاص، وربما ما حدث في بعض البنوك الرسمية كان كاشفا، حيث سعى العشرات من الكفاءات إلى العمل في بنوك خاصة جريا وراء مزايا مادية أفضل.

الرابع، ارتفاع حدة الانتقادات لكل صاحب منصب، حيث تهدمت الكثير من الجدران، وسقطت العديد من الحواجز، وتصدعت معظم الموانع الطبيعية والصناعية، بعد الجرأة التي أصبحت لافتة في تصرفات البعض، والتي وصلت إلى التطاول والوقاحة منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، فمن رأوا حسني مبارك وعددا من أركان نظامه خلف أسوار السجن، من الضروري أن تتلاشى في أذهانهم الحدود والفواصل، ويزول البطش والخوف من أي مسؤول، وهو ما يجعله (المسؤول) أقل حسما وأكثر ترددا، خشية التعرض للإهانة، وأشد حرصا على إرضاء موظفيه، حتى باتت الإدارة بالمواءمات وتطييب الخواطر متقدمة على الإدارة بتطبيق القانون.

المحدد الخامس، طول الفترة الانتقالية، فمع أنه تم إقرار دستور جديد، وانتخاب رئيس للجمهورية بأغلبية كاسحة، وانتخاب برلمان، لا يزال هناك من يشعر بالتوجس وعدم الثقة، وقد أفضى عدم الاتزان في كثير من المؤسسات والقطاعات والوزارات إلى زيادة مساحة الارتباك، وفقدان الرغبة في الحسم، وشيوع نمط الشخصية الاتكالية، التي يريد صاحبها، خاصة إذا كان مسؤولا رفيعا، إلقاء التبعات على عاتق من هم أعلى منه وهكذا، وتزداد الوطأة في المناصب الكبيرة، وتنجم عن ذلك أنواع مختلفة من الأخطاء والفضائح التي تصل أصداءها للرأي العام.

وقف عملية ضياع الهيبة عند كل صاحب سلطة، يستوجب علاجا سريعا وحاسما، يغلب القانون والكفاءة والخبرة والعدل والنزاهة والشفافية والمباديء، لأن استمرار الدوران في الحلقة الراهنة يجعلنا فعلا نعيش في ما يشبه الدولة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>