First Published: 2016-05-15

صيانة ومتابعة في السعودية

 

لم تعد الامور تتمّ بالصدفة في السعودية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

تندرج اعادة هيكلة الحكومة السعودية في هذا التوقيت بالذات في سياق التغيير الكبير الحاصل في المملكة. بل يمكن اعتبار اعادة الهيكلة، التي شملت حقائب مهمّة عدة اضافة الى استبدال وزير النفط وتغيير تسمية الوزارة، بما يتفق مع ضرورات المرحلة، بمثابة تأكيد لبدء عملية اصلاح في العمق ذات اهداف بعيدة المدى. يأتي ذلك في اطار "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" التي اعلنها الامير محمد بن سلمان وليّ وليّ العهد السعودي تحت مظلة الملك سلمان بن عبدالعزيز. تشير اعادة الهيكلة الحكومية بكل بساطة الى ضرورة اخذ موضوع هذه الرؤية بشكل جدّي.

جرت العادة في عالمنا العربي اطلاق خطط خمسية او عشرية طموحة. يبدأ التنفيذ وينتهي في يوم الاعلان عن تفاصيل الخطة. في الواقع لا تكون هذه الخطط في معظم الاحيان سوى ذرّ للرماد في العيون من اجل تقطيع الوقت ليس الّا وتوفير مسكّنات للمواطن العادي تغنيه عن التفكير الجدي في مستقبله ومستقبل عائلته ومستقبل البلد الذي يعيش فيه.

اظهرت عملية اعادة هيكلة الحكومة انّ هناك نيّة في السير في "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" الى النهاية وذلك وفق خطة مدروسة على كلّ الصعد، بما في ذلك الصعيد الاعلامي.

ليس صدفة ان يختار الامير محمد بن سلمان الاعلان عن "الرؤية" والظهور في الوقت ذاته مع الزميل تركي الدخيل على "العربية" في مقابلة طويلة تستهدف شرح ابعادها بكلام يفهمه الناس العاديون ويفهمون ايضا الاطار العام الذي وضعت فيه. فالمواطن العادي لن يفهم، على سبيل المثال، لماذا من الضروري خصخصة نسبة صغيرة من شركة "ارامكو" العملاقة.

لذلك توجّب على وليّ وليّ العهد السعودي شرح "انّ المخاطرة العالية كانت ستحدث لو لم نقدم على خطوة طرح ارامكو، وانّ صندوق الاستثمارات لن يدير ارامكو وسيكون هناك مجلس ادارة لها" مضيفا: "نحن نملك ثلاث نقاط قويّة لا ينافسنا فيهل احد، هي عمقنا العربي والاسلامي وقوّتنا الاستثمارية وموقعنا الجغرافي".

لم تعد الامور تتمّ بالصدفة في السعودية. عندما يتقرّر شيء، هناك متابعة يومية له. هذا ما اظهرته الايّام التي تلت الاعلان عن "رؤية 2030" في الخمس والعشرين من نيسان ـ ابريل الماضي. لم يمض اسبوعان على ذلك، حتّى جاءت عملية هيكلة الحكومة كي تصبّ في خدمة تنفيذ "الرؤية" اعتمادا على ان الكلام وحده لا يكفي وان المقياس يتمثّل في ترجمة هذا الكلام الى افعال. هذا ليس ممكنا الّا في حال تولّى المسؤوليات شباب، يديرهم شاب، على تماس مع ما يدور في العالم وعلى اطلاع على آخر المستجدّات.

لا شكّ ان جهودا جبارة بذلت منذ نصف قرن واكثر من اجل اقامة بنية تحتية في السعودية، لكنّ ذلك لا يغني عن التفكير في تطوير البنية واستكمالها في مرحلة هبوط اسعار النفط ومرحلة ما بعد النفط. هناك قبل كلّ شيء ضرورة لصيانة هذه البنية التحتية. هذه الصيانة تكلّف غاليا. كذلك، هناك ضرورة للتفكير في كيفية الاستفادة من الثروات الاخرى الضخمة التي تمتلكها المملكة وفي كيفية جعل الناس المقيمين على ارضها اناسا سعداء.

الى جانب ذلك كلّه، لا يمكن تجاهل ان دول المنطقة تطورّت واستطاعت ان تلعب ادوارا مختلفة في المجال السياحي والثقافي والاعلامي، وفي مجال السياحة. كيف يمكن ان تصبح المملكة بلدا سياحيا يقدّم الخدمات اللائقة لزوّاره؟ كيف اكتشاف المعالم الاثرية، التي هي كنوز بحدّ ذاتها والتنقيب عنها، خصوصا ان الامير محمّد بن سلمان لا يمتلك اي عقدة من اي نوع؟ يقول محمّد بن سلمان "انّ الترفيه والثقافة سيكونان رافدا مهمّا جدّا في تغيير مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة" مضيفا: "معقول انّك قبلة المسلمين واهمّ بلد اسلامي ولا تمتلك متحفا اسلاميا في المملكة العربية السعودية. هل هذا معقول؟ عندما يأتي زائر غير مسلم ويريد الاطلاع على الاسلام في السعودية، لا يوجد اي متحف او مركز يستطيعان اثراء ثقافته في الاسلام من خلال المملكة".

يبقى، بالطبع، ان الكلام الاهمّ الذي صدر عن محمّد بن سلمان هو ذلك المتعلّق بتاريخ المملكة: "لا شكّ انّ التاريخ الاسلامي هو اهمّ مرتكز ومنطلق لنا، لكنّ عندنا عمقا تاريخيا ضخما يتقاطع مع الكثير من الحضارات". للمرّة الاولى هناك من يتحدّث عن هذا التقاطع.

في النهاية، هناك "رؤية" للسعودية حتّى السنة 2030. هناك ايضا قرار بتنفيذ هذه الرؤية وذلك عن طريق المتابعة وتغيير الظروف المعيشية للمواطن والمقيم نحو الافضل، وذلك بجعل السعودية بلدا عصريا تحلو الحياة فيه. هذه "الرؤية" تحتاج الى صيانة. ليس كافيا بناء اجمل واضخم بناية في العالم، في حال لم تتوفّر الصيانة اليومية لها. كانت هناك في القاهرة، على سبيل المثال، احياء من اجمل الاحياء في اجمل مدن العالم. صارت هذه الاحياء اقرب الى مزابل بسبب فقدان الصيانة.

كلّ شيء في هذا العالم يحتاج الى صيانة ومتابعة، بما في ذلك "رؤية المملكة العربية السعودية 2030".

بين ما تعنيه الصيانة والمتابعة التركيز ايضا على التحديات التي تواجه المملكة ان على الصعيد الداخلي او على الصعيدين الاقليمي والدولي. تبقى الاصلاحات الداخلية جزءا من هذه الصيانة التي تقوم على جعل المواطن متعلّقا بارضه وببلده بدل التفكير في كيفية الخروج منه لدى اقتراب عطلة نهاية الاسبوع او العطلات الاخرى الطويلة الاجل. صارت في الخليج مدن يحلو العيش فيها. هذه المدن مثل ابوظبي او دبي لا تبعد كثيرا عن المملكة.

يظلّ التحدي الاهمّ ذلك المتمثّل في المشروع التوسّعي الايراني في ظلّ ادارة اميركية لا همّ لها سوى استرضاء ايران. لم يعد سرّا ان المملكة العربية السعودية قرّرت المواجهة انطلاقا من اليمن. تتمّ هذه المواجهة من دون خوف من المزايدات والشعارات والحملات المضلّلة التي تشنّها ايران مباشرة او عبر ادواتها في لبنان والعراق وحتّى بواسطة اللوبي القوي الذي يدعمها في واشنطن دي. سي.

ما لم يعد سرّا ايضا انّ الوضع الداخلي القوي جزء لا يتجزأ من المواجهة. من الواضح انّ القرار القاضي بتعزيز هذا الوضع وتمتينه قد اتخذ. لذلك يقول الامير محمّد بن سلمان: "انّ كلّ مشاريع البنية التحتية مستمرّة وقائمة ولن يتوقف شيء". كذلك يتحدّث وليّ وليّ العهد عن المشاكل المطروحة بكل شفافية ان في مجال الاسكان او في شأن البطالة او تطوير الاقتصاد وكيفية جعله "اقتصادا اكبر".

تبدو اعادة هيكلة الحكومة ظاهرة صحّية فضلا عن انّها دليل على الجدّية في الذهاب بعيدا في عملية الصيانة مع ما يعنيه ذلك من اصرار على المتابعة. يمكن وصف ما حصل بأنّه رسالة الى السعوديين والمقيمين فحواها ان هناك جديدا في المملكة. انّه ايضا رسالة الى الخارج فحواها ان للمملكة موقعا ثابتا في المنطقة والعالم غير مرتبط بالنفط واسعاره، فعندما اسّس الملك عبدالعزيز المملكة "لم يكن هناك نفط" على حد تعبير محمّد بن سلمان.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>