First Published: 2016-05-15

الإعلام المستقل غائب عن منتدى الإعلام العربي

 

علينا الاعتراف بأننا كإعلاميين فشلنا في صناعة إعلام عربي مستقل، قبل أن نفشل في إقناع ممول مستقل، وأقصى ما ذهبنا إليه كان أشبه بعودة إلى نفس طريق الحكومات، اختلفنا مع بعضها، من أجل أن نتفق مع غيرها!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بدت الأسئلة المطلقة في فضاء منتدى الإعلام العربي، وكأنها تدور حول نفسها وتنتظر إجابات غير متوقعة! كل هذا حدث بحسن نية ومن دون مواربة، فالمنتدى الذي ينظمه سنويا نادي دبي للصحافة فتح نافذة جادة للحوار، لكن السؤال الحقيقي الذي يمس بفعالية الإعلام العربي المستقل، لم يكن حاضرا بقدر كاف.

لماذا غاب مثل هذا السؤال عن واقع ومصير الإعلام العربي المستقل الذي كان يفترض أن يطلقه إعلاميون وفاعلون يمتلكون أدوات القرار والتأثير معا؟

يدرك غالبية المتحدثين في المنتدى أن الحكومات العربية لا يمكن أن تتخلى عن ترويج خطابها في إعلام تعتبره “حقاً مكتسبا لها” وتغدق عليه المال وتبحث من وراء صناعته عن الترويج لأفكارها وتثبيت أركانها، بغض النظر عن قيمة أو مصداقية هذا الخطاب.

الحكومات ببساطة تصنع إعلامها من أجل صناعة رأي يروج لإنجازاتها فحسب، وهي لا تدفـع أكثر من ضريبة كلاميـة في التحدث عن الانفتاح، أما أن نتفق أو نختلف مع إعلام تلك الحكومات فالأمر سيقودنا بالضرورة إلى الفخ السياسي، والسياسيون الكبار هم كذابون كبار، ولا نريد أن يكون الإعلاميون كذلك.

يبدو لي أن السؤال الأكثر أهمية يتجاوز الإعلام الحكومي اليوم بعد أن أتاح لنا الفضاء التكنولوجي المفتوح الحرية لصناعة إعلام مستقل، فهل يمكن أن نصنع إعلاما عربيا مستقلا موضع ثقة الجمهور، ومن دون أموال الحكومات؟ الأصل في السؤال هل تسمح لنا الحكومات بذلك؟

هل يمكن التخلص من فكرة إعداد منصات إعلامية تزعم أنها مستقلة، لكنها في حقيقة الأمر مجرد مشاريع سياسية وحزبية ودينية وتجارية همها الأساس تقديم خدمات صحافية مدفوعة الثمن؟

في حقيقة الأمر، لا تبدو وسائل الإعلام العربية الناطقة من خارج الدول العربية أكثر من مؤسسات محلية بطريقة أو بأخرى، فالصحف التي تصدر من هناك تغلق صفحاتها الأُولْ بآخر أخبار وكالات أنباء محلية لا يزور مواقعها أبناء البلدان ذاتها! وكذلك تفعل القنوات الفضائية، لأنها ببساطة وسائل إعلامية لا يمكن لها إلا أن تتبنى خطاب الممول، أو ما أسماه الزميل الدكتور هيثم الزبيدي بـ“الطفل المدلل للسياسيين” عندما اعتادت وسائل الإعلام العربية، على الأقل الرسمية منها، على مثل هذا الدلال الذي يأتي بالمال، فـ”الاحتكار للموارد جعل وسائل الإعلام تتوجه إلى القارئ الأهم: الزعيم. هو قارئ وحيد يحب نوعا من الأخبار، لكنه القارئ الذي ينبغي مراعاته، بقية الشعب بمن فيه كبار المسؤولين، مجرد تفاصيل”.

مثل هذه الأسئلة المتصاعدة لدى الجمهور من قِبل المعنيين بشأن مصير الإعلام العربي المستقل لم يتم تداولها بما يكفي، واختار المتحدثون في المنتدى إعادة تدوير فكرة الصراع بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، وفكرة التكيف مع التغييرات الجذرية التي طرأت على المشهد الإعلامي.

بينما الخلاف لا يبدو – حسب آلن روسبيردغر رئيس التحرير السابق لصحيفة الغارديان – في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم نفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

أرى من الحق الاعتراف بأننا كإعلاميين فشلنا في صناعة إعلام عربي مستقل، قبل أن نفشل في إقناع ممول مستقل، وأقصى ما ذهبنا إليه كان أشبه بعودة إلى نفس طريق الحكومات، اختلفنا مع بعضها، ليس من أجل حق الاختلاف المشروع، بل من أجل أن نتفق مع غيرها! أليس مثل هذا يمثل انتصارا لإعلام الحكومات التي لم نكف عن انتقادها وانتقاد إعلامها؟

ما هز المسلّمات في عالمنا هو قلة الوعي، والوعي صنعة الصحافة والإعلام -حسب تعبير الدكتور الزبيدي- وقلته صنعة المهرجين أو أصحاب الأجندات التخريبية الذين يتسابقون على منابر الوسائل الاجتماعية لانتزاع آخر قارئ لا يزال يقرأ صفحة أمامه من جريدة يفترشها ليأكل عشاءه على ورقها.

مشكلتنا كإعلاميين عرب لم تعد تكمن في الخوف من المواطن الصحافي الذي انقض علينا، وانتزع منا الفرصة المتفاعلة، بل في القدرة على إقناع الحكومات أولا بمشروعية الهدف الإعلامي من أجل ديمقراطية الأفكار الصالحة للمجتمع، وليس لعرض خدمات إعلامية لمثل هذه الحكومات والأحزاب وتقديم تنازلات مريعة في القيم من أجل المال.

فالصحافيون يضعون لأنفسهم التعريف التاريخي، عندما يختارون نشر الحقائق بقلوب صلبة، وهم في ذلك يتوقون إلى الشفافية كوسيلة للحد من الفساد وضعف الأداء. سبق وأن وصف بيان الإنترنت تحطيم أسطورة استحالة تغيير طبيعة وسائل الإعلام المطبوعة بأنه انتصار، وعلى الذّين يودّون البقاء في هذا العالم المعلوماتي الجديد أنْ يجدّدوا مثاليّتهم وأفكارهم الصّحافية.

لكن ما يمكن أن يسمى بـ”الإعلام العربي المستقل” ليس أكثر من فصيل في حزب سياسي أو ديني قائم علنا أو متوارٍ في بلداننا العربية يرفع صوته من الخارج، وليس بمقدوره حتى الحلم بالتنافس على مسك “المايكروفون الأقوى”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>