First Published: 2016-05-18

أهل مدينة الثورة: الفاسدون أهدروا دماءنا

 

العراقيون، وخصوصا اهل حي الثورة الفقراء، يدركون عمق العلاقة بين الفساد والارهاب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

كان «الأربعاء» الماضي (11/5/2016) يوماً دامياً على مدينة الثورة شرقي بغداد، قُتل وجرح فيه العشرات، فالإرهاب اعتاد قصد الأسواق حيث يتزاحم طالبو الأرزاق. كتبتُ أكثر مِن مرة عن شؤم «الأربعاء»، ففيه اجتاح المغول بغداد (1258 ميلادية)، واستلم البعث السُّلطة (1968)، وغزا الأميركيون بغداد (2003)، وهناك مئات الحوادث الكارثية حصلت في هذا اليوم، لكنْ الأيام كافة أصبحت شؤماً، فلو تأملت أحزان العراقيين، بين غزوة المغول وغزوة الأميركان وما بعدها، لتوهمت أن ماء دجلة والفرات من مدامع المُقل لا عيون الجبال.

عندما خرج أهل الثورة المنكوبة، إثر الأربعاء الدامي الأخير، هاتفين: «الفاسدون أهدروا دماءنا»، أيقنوا أن ما بين الفساد والإرهاب حلفاً، لن تستطيع تصريحات الفاسدين المنددة بالإرهاب إخفاءه، إنها عقوبة مَن يجرؤ ويتحدث ضد حيتان الفساد، فكم صحافي وإعلامي وكاتب لقي حتفه لأنه أقترب من «الصندوق الأسود»! ألم يشتركوا في تحرير الإرهابيين من السجون؟ وأدت مخازيهم في القيادة إلى نحر (1700) شاب في مجزرة «سبايكر» (2014)؟ ألم يكن المسؤول عن قتلهم من سيَّرهم بلا سلاح، وترك لهم خيار العودة ببيداء تتربص بهم الذئاب؟

لا معنى لتوجيه الاتهام إلى ميليشيا أو أي منظمة مسلحة، وهل تأتي باختراع إذا قلتَ: إن التِّمساح مفترس مثلاً؟ فهذه كائنات تتعطر برائحة الدم، لا يعنيها اتهام ولا تخشى احتجاجاً ولا تنديداً من قِبل دوائر السلطة وسواها، بل على العكس تراها محتفلةً فرحاً بهذا التنديد أو الاحتجاج. إنما المعنى أن تخرج السلطة وتواجه العراقيين بالحقيقة، وتعترف بعدم قدرتها على حمايتهم، فـ«فاقد الشيء لا يعطيه». كيف يواجه الإرهاب من اعتمد بوجوده على الجماعات المسلحة، وتكريس المحاصصة الطائفية؟

حلت بأهل «مدينة الثورة»، إحدى أكثر مدن بغداد ازدحاماً، ما يوصف بالمسالخ الجماعية في حوادث متصلة، ذلك إذا علمنا أن غالبية غرقى وقتلى جسر الأئمة، في موسم زيارة الضريح الكاظمي (2005)، كانوا من أهلها، وعندها خرج رئيس الوزراء مفتخراً: «هؤلاء شهداء الشعائر»، وخرج حينها نائب رئيس الجمهورية، الدارس بجامعات فرنسا، يستخف بعقول أولياء الضحايا قائلاً: «أعزي المهدي المنتظر بفاجعة الجسر»! فهل تتأمل أيها العراقي هؤلاء المناطة بهم مسؤولية حماية دمك المسفوك يومياً؟ عليك أن تنتظر وتستمع لنداء الإبادة الذي يطلقونه: «الموت آتٍ والنفوس نفائسٌ»، لكي يبقى حلف الفساد والإرهاب قائماً.

بدأ وجود «مدينة الثورة» بـ911 داراً، تحت اسم «مشروع أصحاب الصرائف» (مجلة العراق الجديد، أغسطس 1960)، أي الفقراء والمعوزين، من سكنة بيوت الطين «خلف السدة»، وتبنت الحكومة البناء، وسلمت الدُّور الجديدة جاهزةً لأهل الأكواخ والصرائف معبِّدةً الأزقة، وفيها أحدث الخدمات، ثم أُطلق عليها اسم «مدينة الثورة»، وبعد انقلاب 1963، بدل رئيس الجمهورية عبدالسلام عارف (قُتل 1966) اسمها إلى «حي الرافدين»، لكنها عادت لاسمها القديم سريعاً، وقيل رفض رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم (قُتل 1963) إطلاق اسمه عليها.

تزايدت السُكنى بالمدينة الجديدة، وتوسعت في أزقة ترابية وشوارع مغطاة بالأوحال، إلى مدينة كبرى بصخبها، بعد أن كانت «خلف السدَّة» مجرد قرية تتبع قضاء الأعظمية إدارياً، ثم أصبحت قضاءً تابعاً لمحافظة بغداد مباشرة. سجل الأديب عبد الله صخي، وهو أحد أبنائها، بداياتها وتبدل العهود عليها، في رواية «خلف السدَّة» (المدى 2013). أذكر هذا تحفيزاً لروائي يحدب على عمل ملحمي يسجل فيه ما حل ويحل على العراق من هوائل.

جمعت «مدينة الثورة»، في نشأتها، كل أطياف العراق، يُقام الذِّكر الصوفي السُّني في أزقتها وبيوتها، كما يحتفل بعاشوراء في الساحات العامة، وفي وسطها حي يعرف بحي الأكراد. وفرت «مدينة الثورة» لبغداد، إلى جانب الصُّناع والزراع وصغار الموظفين، أجيالاً من الفنانين والأدباء والشعراء، وكانت أرضاً خصبة بوجود الأحزاب والمنظمات السياسية المتصارعة، فتعاقبت عليها التسميات التي تشير إلى التبدل السياسي، من «مدينة صدام» إلى «مدينة الصدر»، ولا أظنه آخر الأسماء في ظل الغليان وتسارع تبدل الأحوال. عندما نذكر فواجع مدينة الثورة لا يعني هذا أن بقية مدن ونواحي العراق آمنة، فـ«الأرملة السوداء»، أخذت تجوب مدنه وقراه، مع أنه لم يعرف مِن قَبل هذا النوع مِن العناكب الخطرة. لعلها رمزيةً دالة على ما يواجهه العراقيون مِن فناء.

لعلي الشَّرقي (ت 1964) ما يعبر به: «وكم صدور بهذا القطرِ فارغةٌ/ جوفاء ليس بها قلبٌ ولا كبدُ/ صدور أنديةٍ في جهلها انتفخت/ حتى تشابه فيها الهرُّ والأسدُ/ مِن الشراك قد اختارت لأمتنا/ هذي السياسة ثوباً كلُّه عقدُ» (الديوان). لا تعشعش في بيوت الفاسدين وأنديتهم «أرملة سوداء»، ولا يهدها إرهاب. إنه تحالف شرين، أحدهما سبب لوجود الآخر.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة
2016-11-23
معرض الشارقة.. مواجهة الفكر الهدام
2016-11-16
أمّ الربيعين.. «يا مَن فقتِ حسنهما»
2016-11-09
المزيد

 
>>