First Published: 2016-05-19

نكبة أم نكبات عربية؟

 

هل نستذكر النكبة أم نتذكر أن علينا العثور على حل للقضية الفلسطينية بعد كل هذه السنين والمآسي؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لم تحظ ذكرى النكبة الفلسطينية التي حلت علينا هذا الأسبوع بالاهتمام المطلوب، من قبل جهات رسمية وشعبية في عدد كبير من الدول العربية، ومعظم من توقفوا عندها اقتصرت تقريبا معالجتهم على لطم الخدود، ولم يقدموا بوضوح المعاني والدروس التي انطوت عليها، خاصة أن النكبة لم تعد واحدة بل أصبحت نكبات عربية.

النكبات المركزية تشمل العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان، أما الهامشية فحدث عنها ولا حرج، وتتفاوت درجتها من بلد إلى آخر، لكن في النهاية ربما تكون أصابت غالبية الدول العربية، إذا أخذنا في الاعتبار أن جملة الإخفاقات المتتالية على الأمة، في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة والعلوم، تندرج ضمن النكبات الصغرى، التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى كبرى، حال استمرار الانسداد والعقم والعقلية المتسلطة، وعدم التخلص من الآفات التي أدت إلى ما نحن عليه الآن.

السنوات الأخيرة تعرضت المنطقة العربية لمخططات جهنمية أسقطت الكثير من الثوابت الرئيسية، ودمرت عددا كبيرا من الأعمدة الرئيسية التي كانت تمثل روافع أساسية للخيمة العربية، بدأت تجلياتها تتضح منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، الذي كان النواة الأولى للترتيبات الجديدة. وقتها حسبت الدول العربية التي أيدته، سرا أو علانية، أنها بعيدة عن الدائرة الشريرة، لذلك من ارتاح أو صمت أو تخاذل أو تواطأ بإرادته، يحاول الآن إنقاذ ما يمكن إنقاذه دون إراداته، فالشعوب التي رأت الدول المحيطة بها تتهاوى مثل قطع الدومينو واحدة بعد أخرى لن تتحمل المزيد، ومضطرة للعمل على وقاية دولها قبل أن يعصف بها الطوفان.

الخيوط التي تربط بين نكبة فلسطين الأم والنكبات الراهنة تكاد تتشابه في بعض الخطوط والألوان، المتعلقة بوجود مؤامرات غربية تنسج شباكها باقتدار، وقيادات عربية قصيرة أو عديمة النظر، ودول تتخاصم حول آليات الحرب والسلام، وجماعات أدمنت الخيانة، وقوى حركية متشددة مغيبة أو منفصلة عن الواقع، ونخب مشغولة بمصالحها أكثر من مصير أوطانها، وشعوب مغلوبة على أمرها، وعندما تتحرك تأتي متأخرة أو تتسم حركتها بقدر وافر من العشوائية، بما يسمح في المحصلة بإمعان التخريب والتقسيم.

ما يجري الآن في المنطقة العربية يفوق في سواده ما جرى قبل 68 عاما، فوقتها كانت القوى الكبرى تتحايل لزرع إسرائيل والبحث عن وسائل قانونية لترسيخ وجودها، وتفتيت أرض واحدة هي الأرض الفلسطينية، مع الاحتفاظ بجزء معتبر منها، لكن ما نراه الآن تقسيم المقسم، فهناك انفصال كبير بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأراض تم ضمها عنوة إلى إسرائيل خارج قرار التقسيم، الذي صدر قبل عام من النكبة للدرجة التي تواضعت فيها التطلعات ولم تعد ترقى إلى المستوى الذي كان مرفوضا.

التراجعات وصلت إلى حد صعوبة تلبية الحد الأدنى، وهو أن تكون هناك دولة فعلا على أنقاض فلسطين، والأدهى أن القضية أخذت تخرج برمتها من حزمة الأولويات العربية، وأضحت تندرج ضمن قائمة الاهتمامات الإنسانية على الخريطة الدولية، ومن يجرؤ على الحديث، ولو بالتذكير بها، من خلال استئناف قطار التسوية المجمد، ولو على سبيل الإيحاء بأن هناك عملية سياسية، لا يجد من يتجاوب معه، باعتباره أصبح من الزمن الماضي، وإسرائيل التي كانت تتمنى أن يتم التعامل معها كدولة طبيعية في المنطقة، تنشد حاليا القيادة الإقليمية، وهي واثقة أن لديها من الإمكانيات والمقومات والفرص ما يجعلها رقما في المعادلة المقبلة.

مؤشرات التقسيم التي يتم تداولها بشأن العراق وسوريا وليبيا واليمن، ناهيك عن الصومال الذي اختفى تماما من الخريطة العربية والدولية، والسودان الذي جرى فصل جنوبه عن شماله، وينتظر فصل غربه عن شرقه، تؤكد أن النكبات الراهنة أشد قسوة، وما حصل في فلسطين لا يضاهي الحال الذي تعيشه الأمة العربية، والفرق أنه كانت هناك مقاومة بكل السبل للنكبة الأولى، في حين يبدو ما تبقى متماسكا في الجسد العربي مستسلما أو راضيا وربما داعما، للخطط التي يتم تداولها لتحديد عدد الدويلات التي تخرج من رحم هذه الدولة أو تلك.

الانشغال برفض ما يجري من إعادة ترسيم للحدود السياسية والطائفية تحول إلى ترف، لأن الكل لم يعد ضامنا لمصيره، حتى ولو ظل متماسكا من حيث الشكل، فالانفجار الأمني الذي ضرب دولا كثيرة، منع البعض من الاحتجاج، والحروب الأهلية التي اندلعت هنا وهناك، دفعت إلى عدم الالتفات لما يجري خارج الحدود، والأزمة لم تعد في الممانعات العربية، والمسموح والمرفوض، بل في من مع من عند تقسيم الكعكة والنسبة التي تريد كل دولة الاستحواذ عليها، صراحة أو ضمنيا، للحفاظ على مصالحها.

مساهمات من بقوا على قيد الفاعلية السياسية العربية، أصبحوا أدوات لاضفاء مشروعية على ما يتم ترسيمه من خرائط جديدة، دون مشاركة حقيقية، وحتى أصحاب النوايا الطيبة، من دافعوا عن المحافظة على وحدة الدول العربية المنكوبة، ليست لديهم الوسائل التي تمكنهم من تحويل الشعارات إلى واقع ملموس، كما أنهم إذا تحدوا الكوابح التي تقف في طريق نواياهم، من الممكن أن يتعرضوا لحرائق داخل بلدانهم، تجبرهم على الكف عن منهج المناكفات السياسية.

المعطيات القاتمة السابقة لا تعني إطلاقا فقدان الأمل، بل يمكن أن تكون مدخلا وحافزا، لأن التدهور المستمر في بنيان عدد من الدول العربية، يمكن أن ينتقل إلى أخرى، خاصة أن جزءا كبيرا من الأسباب التي أودت بالمجموعة الأولى في السنوات الماضية، كامنا في المجموعة الثانية المتماسكة، التي لا تزال على قيد الحياة السياسية، وقبل أن يتحول ما هو مرفوض حاليا إلى سراب في المستقبل، وتصبح مصيبة فلسطين هينة، علينا البحث عن رؤية مشتركة توقف نزيف النكبات العربية.

الرسالة التي وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسي أمس الأول (الثلاثاء) بضرورة التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، تحمل دلالة مهمة وسط الظلام الدامس الذي يحيط بالشعب الفلسطيني في الآونة الأخيرة، والتي يمكن البناء عليها، لأن تداعياتها السياسية، إذا تم استثمارها بصورة صحيحة، سوف تحرك الركود الذي دخلته القضية، في زمن تراكمت فيه النكبات، بشكل ضاعف من النحر في جسم الأمة العربية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>