First Published: 2016-05-21

بين الدين والسياسة ضاع الوطن

 

قد تكون جذور الاسلام السياسي قد نبتت بعيدا عن حكم الزعماء القوميين، لكن تبدلات احوال اولئك الزعماء هي السبب في اتاحة الفرصة لنموها ووصولها إلى خنق الحياة السياسية في المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل كان معمر القذافي متدينا؟ لا أحد يقول بذلك. كانت للرجل شريعته الخاصة. وهي شريعة لا تعتمد قواعد ثابتة. كان الرئيس الليبي السابق سياسيا أكثر مما يجب من جهة صنع الأعداء وكراء الأصدقاء وكان مزاجه المتقلب مرشده في ذلك.

يوم قام الشيوعيون بانقلابهم عام 1971 في السودان كان الرئيس جعفر النميري ضيفا لدى القذافي. من المؤكد أن الحفلة الدموية التي شهدتها الخرطوم بعد ذلك لم تكن من تدبير النميري وحده. قبل أن يغسل النميري يديه من الدم المسفوك أعلن عن بدء مرحلته الايمانية. وهي المرحلة التي أفضت في ما بعد إلى انقلاب كان أكثر اتقانا من انقلاب الشيوعيين.

سقط نظام النميري بعد أن نجح في تدمير اليات العمل بما هو سياسي لصالح التصريف الديني لشؤون الحكم وهو ما أجاد القيام به حسن الترابي عراب نظام البشير وضحيته في ما بعد.

في مصر عبر أنور السادات وهو خليفة زعيم القومية العربية جمال عبدالناصر عن ضيق صدره بالسياسيين وتقلبات أهوائهم وضجيجهم الفائض عن الحاجة من خلال اشهار تدينه في وجوههم. فكان ذلك الاشهار مناسبة لخروج الجماعات الدينية المتطرفة من عالمها السفلي لتُدخل مصر في متاهة التكفير فكان مقتل السادات نفسه نوعا من العقاب الديني الذي أسس قاعدة لظهور جماعة الاخوان المسلمين من جديد.

اما في العراق فقد انتجت الهزيمة المدوية في حرب تحرير الكويت وطنا مهشما وضعيفا، قابلا للقسمة بين ما هو ديني وما هو قبلي مع استبعاد واضح لكل ما يمت للسياسة بصلة. وهو ما دفع بصدام حسين إلى أن ينزع بدلته العسكرية ليكون زعيما دينيا وقبليا في الوقت نفسه.

أثناء حكم الرئيس العراقي الراحل ظهرت جماعات وحلقات دينية لم تكلف نفسها كثيرا عناء إخفاء طبيعة عملها القائم على رفض القيم السياسية الحديثة.

السؤال الآن هو: هل مهد لزعماء السابقون عن طريق الخطأ لظهور الجماعات والأحزاب الدينية التي لم تجد أمامها ما يمنعها من الالتفاف على مفهوم الوطن وهي التي لا تعترف بصحة ذلك المفهوم أصلا؟

من المؤكد أن التاريخ سيقول كلمة قاسية في حق النظام السياسي العربي الذي لم يكن في حقيقته يمت إلى السياسة بصلة. حتى الزعماء الذين أضفى عليهم اعلامهم صفة تاريخية فإنهم لم يتعلموا شيئا من "علم" أو "فن" السياسة، بالرغم من أن بعضهم قضى في الحكم أكثر من أربعين سنة كما هو حال الأخ العقيد.

كانت السياسة هي أكثر هواياتهم اليومية هامشية.

وبسبب جهلهم بالسياسة فقد اعتبروا ظهورهم بثياب المؤمنين الاتقياء وقيادتهم للحملات الايمانية كما فعل صدام حسين نوعا من الدهاء السياسي الذي سيكون من شأنه أن يفرق صفوف خصومهم ويصنع أسبابا جديدة لالتفاف الجماهير المؤمنة من حولهم.

من سوء حظ الشعوب التي دمرتها ماكنة الاستبداد لزعمائها التاريخيين أن التدين لا يعوض في العصر الحديث غياب الفهم السياسي ولن يحل بديلا عنه. وهو ما بدا واضحا في الحقبة التي تلت سقوط أولئك الزعماء.

فبصعود حزب الدعوة في العرق وجماعة الاخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس إلى الحكم بدا واضحا أن مفهوم الوطن بات في خطر. لا لأن تلك الأحزاب لا تؤمن بشيء اسمه السياسة الحديثة حسب، بل أيضا لأنها تنظر باستهجان واستخفاف إلى فكرة ومفهوم الوطن. فالوطن بالنسبة لدعاة وحزبيي الإسلام السياسي هو فكرة تجريدية لا تقع على أرض بعينها. كان الخميني يردد "وطننا الإسلام".

خلاصة القول إن لعبة السياسي والديني كانت قد بدأت قبل عقود على أيدي إنقلابيين، لم تسمح لهم أفكارهم الثورية لاستيعاب فكرة الوطن الذي يتجاوز وجودهم، فراهنوا على الدين ظنا منهم أنه منهم اقطاعيي العصر الحديث. كان هناك في الماضي عراق صدام حسين ولا يزال هناك أصوات تنادي بسوريا الأسد.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>