First Published: 2016-05-22

اقطاعيو العراق الجدد

 

الحديث عن مسؤولية البعثيين عن الاحداث في بغداد شاهد آخر عن مدى انفصال العبادي عن الواقع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في ظل الفساد المستشري في العراق منذ أكثر من عشرة أعوام نشأت طبقة جديدة من "النبلاء" و"الاقطاعيين" الجدد، يسر نظام المحاصصة الحزبية لأفرادها القدرة على نهب المال العام والحصانة في مواجهة القانون إضافة إلى تحصنها وراء جيوش جرارة من الحمايات الخاصة.

وإذا ما كان عدد من أفراد تلك الطبقة قد فر في أوقات سابقة من العراق مكتفيا بمليارات الدولارات التي غنمها لتكون رصيده الاستثماري الشخصي في بلده الثاني فإن الأكثرية لا تزال تستميت داخل العراق في الدفاع عن امتيازاتها الطبقية الفريدة من نوعها عالميا والتي لم يشهد التاريخ لها مثيلا.

وليس من باب التكهن القول إن تلك الطبقة ما كان لها أن تستقوي على الشعب لولا ما وفره رجال الدين لها من حماية مطلقة، وهي حماية مدفوعة الثمن، تحولت المؤسسة الدينية من خلالها إلى عالم كهنوتي مغلق على ذاته، بطريقة لم يعرفها التاريخ الإسلامي من قبل.

فحين يقال مثلا إن السيستاني وهو مرجع ديني شيعي خط أحمر، فذلك معناه إضفاء شيء من القداسة على رجل دين، كان في إمكانه خشية الوقوع في الخطأ أن يمتنع عن المشاركة في اثم مباركة الاحتلال غير أنه لم يفعل.

لقد فعلت المؤسسة الدينية ما هو أسوأ حين تواطأت مع طاقم السياسيين الذي جلبه المحتل من أجل فرض مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية قاعدة لقيام النظام السياسي في العراق. وهو ما أضفى على عملية تقاسم الغنائم بين الأحزاب والميليشيات الدينية نوعا من الشرعية المستلهمة من قوة المؤسسة الدينية وسطوتها على الناس البسطاء.

كانت اللعبة التي شكلت المؤسسة الدينية والأحزاب التي استقدمها المحتل من خارج العراق متقنة، من جهة ما تضمنته من أساليب ترويع وترهيب بلغت أحيانا الذروة حين صارت المزابل مأوى للرؤوس المقطوعة.

في ظل ذلك الكابوس الدموي كانت ماكنة الفساد تعمل من أجل أن تحيط بأذرعها كل قنوات الثروة في العراق. وهو ما جعل مافيا الفساد تعمل براحة في الوقت الذي كانت فيه الفوضى تجتاح المجتمع، لتضعه في مواجهة مستقبل مجهول.

غير أن ما لم يفكر فيه ساسة العراق أن الشعب الذي ارتكب خطأً في حق نفسه حين وافق على صعودهم المجاني إلى السلطة يمكنه أن يتراجع عن خطأه ويسحب البساط من تحت أقدامهم وستكون المؤسسة الدينية يومها عاجزة عن انقاذهم.

وهو ما حدث فعلا حين قرر الفقراء أن يهاجموا مبنى رئاسة الوزراء بإعتباره رمزا لإمبراطورية الثراء التي أقيمت على حساب آمالهم في مستقبل، تبين أنه كذبة ستظل عالقة بين خطب رجال الدين وأهازيج الحشد الشعبي وهو يقاتل داعش.

وقد يكون مضحكا أن رئيس الوزراء الذي اكتشف فجأة أن مكتبه لم يكن محصنا لم يوجه خطابه إلى الفقراء من اجل استرضائهم والتخفيف من حدة غضبهم، بل إلى شركائه في الحكم من أجل إزالة حالة الذعر الذي ضربتهم.

لقد استحضر الرجل الوصفة الجاهزة فألقى باللائمة على البعثيين.

أيُعقل أن يكون "إصلاحي" من نوع حيدر العبادي منفصلا عن الواقع إلى هذه الدرجة؟

لن تغير دعوات الرجل الإصلاحية في شيء من الحقيقة. لقد كان العبادي دائما جزءا من ماكنة الفساد. وهو ما جعل منه عضوا في نادي النبلاء والاقطاعيين الجدد.

وقد يكون حديثه عن البعثيين محاولة بائسة للتغطية على الصراع الحقيقي الذي تدور حلقاته بين الخاصة الذين رعتهم المؤسسة الدينية وبين العامة الذين ضللتهم المؤسسة نفسها. وهو صراع يدور في حقيقته بين السادة والعبيد.

هناك في العراق اليوم ثراء لا مثيل له في العالم يقابله فقر هو الآخر لم يشهد له العالم مثيلا. وهو سبب منطقي لشتى أنواع العصيان والتمرد والثورة.

لن يكون سابقا لأوانه توقع انهيار منظومة الحكم في العراق. فهل ستكون الفوضى بديلا؟ هذا ما يتمناه اقطاعيو العصر الحديث.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
بيت المعارضة والبيت السوري
2017-11-23
الصلاة مناسبة للعبادة وليست تظاهرة سياسية
2017-11-22
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
المزيد

 
>>