First Published: 2016-05-22

غرفة الأخبار لم تعد تتحمل صحافيي الدرجة الثانية

 

سيكون أسهل إيقاف طباعة الصحيفة برمتها، من إيقاف صفحة واحدة من أجل تعديل مازال يعتقد بعض الصحافيين أنهم قادرون فيه على تحقيق معادلة 'الأخبار السيئة، هي أخبار جيدة'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لم تكن غرفة الأخبار قبل عقد من الزمن كما هي اليوم، كانت أكثر سعة لتتحمل الحركة الدائمة فيها وتستوعب طموح الصحافيين من الدرجة الثانية من أجل إدراج سبق صحافي في وقت متأخر.

غرفة الأخبار اليوم أكثر هدوءًا وترقبًا وكأنها تنتظر ما يُصنع لها وليس ما تصنعه من قصص، ولم تعد نفس الحركة فيها وإن وجد فيها البعض من صحافيي الدرجة الثانية، فهم في الواقع يعيشون في حالة ضيق تفوق قدراتهم على العمل، بينما الضغط على كبار الصحافيين يدفعهم إلى التفكير في أكثر من زاوية لصناعة قصة إخبارية تعيد ثقة القراء بالصحيفة.

قبل أعوام كان بيننا من صحافيي العصر الورقي من لا يكف عن الصراخ مساء كل يوم “أوقفوا الطباعة!!” من أجل إضافة جملة يعتقد أنها ستغير تأثير ما كتبه من قصة على القراء، كان يستوي لديه الصراخ في إيقاف طباعة الصفحة إن كانت التغيرات تافهة أو على درجة من الأهمية العاجلة.

توقف صراخ مثل ذلك الصحافي بمرور الوقت في غرفة الأخبار الرقمية لأنه يعيش طريقة تفكير لم تعد تتناسب مع الصناعة الصحافية، مع ذلك مازال يحلم بإدراج سبق صحافي في وقت متأخر، بينما السبق الصحافي لم يعد يمتلك مواصفاته السابقة بوجود المنصات الرقمية المتجددة على مدار اللحظة، وقواعد الصناعة الخبرية تغيرت طبقا لتغير سلوك القراء الذي يرفض العودة إلى الوراء.

مثل هذا التميز المشكوك فيه لوقف المطابع، والذي كان يتوق إليه صحافيو الدرجة الثانية في العصر الورقي، حققه بشكل واقعي سايمون فوكس، الرئيس التنفيذي لشركة ترينيتي ميرور، عندما أوقف بشكل دائم الأسبوع الماضي صحيفة “ذا نيو داي” اليومية، بعد تسعة أسابيع فقط من إطلاقها مع شعار “الحياة قصيرة، دعونا نعشها بشكل جيد” وفق تعبير أندرو هيل في صحيفة فايننشال تايمز.

نعم، سيكون أسهل إيقاف طباعة الصحيفة برمتها، من إيقاف صفحة واحدة من أجل تعديل مازال يعتقد بعض الصحافيين أنهم قادرون فيه على تحقيق معادلة “الأخبار السيئة، هي أخبار جيدة” بين هذا التدفق الهائل من الأخبار على مدار الوقت، فيما فرصة الصحيفة الورقية متاحة لمرة واحدة في اليوم لا أكثر.

التدفق الهائل إلى درجة مخيفة من الأخبار على المنصات الرقمية والهواتف والأجهزة المحمولة، ساهم في تقليص حجم غرفة الأخبار، ويمكن القول بجرأة أكثر تهميش غرفة الأخبار في الصحف اليومية، ولم يعد يتوقع عمال المطابع أن يعود إليهم مثل ذلك الصحافي ويعرقل عملهم في إعادة الطباعة. فمثل هذا المكتب ضاق ولم يعد يتحمل صحافيي الدرجة الثانية.

هذا التدفق الحر للمعلومات أعاد رسم تصور دور الصحافي في المجتمع وعلاقته الأساسية مع الجمهور، ومعرفة كيف يفكر القراء.

حسنا، من بإمكانه العمل اليوم في غرفة الأخبار في الصحف المطبوعة؟ هل تكفي المواصفات الشائعة عن صنّاع الرأي بعد أن أنزل المواطن الصحافي، الصحافي من برجه العالي، ولم تعد هناك حاجة لصحافيين يعرفون كل شيء مسبقا، ولكن للّذين يتواصلون، للّذين يشكّون ويطرحون الأسئلة.

سبق وأن اعتبرت كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان، مقاومة الصحافيين التقليديين للتغيير المتصاعد مضرا بالصحافة نفسها، فعلى الصحافي اليوم أن يدرك أن دوره كصانع للحقيقة وشارح لها قد ولى.

وطالبت فاينر بإعادة صياغة النقاش حول معضلة الصحافي اليوم، والتخلص من وهم فكرة مستقبل الصحافة الآمن.

وسبق وأن أكد بيان الإنترنت الذي أعدته نخبة من الصحافيين والباحثين في الإعلام والتسويق على غياب الحواجز التكنولوجية بين المبتدئين والمحترفين. لهذا يتوجب على امتياز حرية الصحافة أن يكون مكفولا لكل شخص يمكنه المساهمة في إتمام المهامّ الصّحافية. بلغة الجودة، لا يجب أن توضع فوارق بين الصحافي المهني وغير المهني (من حيث الدّفع) ولكن بين الصحافة الجيدة والصّحافة الرّديئة.

وبطبيعة الحال هذا لا يعني التركيز على الصحافة كنماذج لأعمال تجارية، لأن عدم التركيز على الصحافة كمفهوم يبدد تحمسنا كصحافيين للمستقبل.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء
2017-01-22
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
المزيد

 
>>