First Published: 2016-05-23

ما بعد سايكس ـ بيكو... من 'بيت المستقبل'

 

سايكس - بيكو الأولى انشأت دولا. سايكس - بيكو الثانية تنتج كانتونات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

كانت مئوية سايكس ـ بيكو مناسبة لمؤتمر انعقد في "بيت المستقبل" الذي اسّسه الرئيس امين الجميل الذي لا يزال يشرف عليه، والذي يديره الزميل والصديق سام منسّى. كان عنوان المؤتمر "مئة عام على اتفاق سايكس ـ بيكو: نظام جديد للشرق الاوسط؟"

كانت هناك مجموعة من الندوات استضافها سراي بكفيا، وهو مبنى تاريخي، يومي الجمعة والسبت الواقع فيهما العشرين والواحد والعشرين من ايار ـ مايو الجاري. طرحت في الندوات، التي شارك فيها ممثلون لستة مراكز ابحاث دولية، افكار كثيرة من ابرزها ان روسيا ـ القيصرية تستلحق الدور الذي فاتها في العام 1916، عندما انسحبت من الاتفاق الذي توصّلت اليه فرنسا وبريطانيا بعدما كانت جزءا لا يتجزّأ منه.

كان السؤال الذي لم يستطع احد الجواب عنه هل ستؤدي المفاوضات المستمرّة واللقاءات المتكررة بين جون كيري وزير الخارجية الاميركي وسرغي لافروف وزير الخارجية الروسي الى سايكس ـ بيكو جديد بعدما استهلكت احداث المنطقة، خصوصا التطورات في سوريا سايكس ـ بيكو البريطاني ـ الفرنسي؟

غير مشارك في الندوات تحدث عن "تشابه" المفاوضات بين مارك سايكس وفرنسوا جورج ـ بيكو وتلك التي تجري حاليا بين كيري ولافروف. وتوقف كثيرون عند الضوء الاخضر الاميركي للتدخل العسكري الروسي في سوريا، اضافة الى الدور الاميركي في دعم الاكراد، وهو دعم يتمّ تحت مظلة روسية ـ اميركية.

لم تترك الندوات زاوية الّا وتطرقت اليها بعدما رسم امين الجميّل الاطار العام للمؤتمر من خلال كلمة افتتح بها المؤتمر واشار فيها الى انّ "الثورات الشعبية والاحداث العسكرية في المنطقة، من حدود ايران الى حدود مصر، تحدث ثغرات في الكيانات التي نشأت نتيجة اتفاق سايكس ـ بيكو ومؤتمر سان ريمو".

كان مهمّا ايضاح الجميّل انّه "في نصّ اتفاق سايكس ـ بيكو المكون من 832 كلمة، لم ترد كلمة شعوب ولا مرّة، ولا عبارة حقّ تقرير المصير. ان دلّ ذلك على شيء، فعلى انّ الجغرافيا اكثر من الانسان، كانت معيار هذا الاتفاق الذي صيغ بين لندن وباريس وبطرسبورغ. اساسا، انّ مفاوضات سايكس ـ بيكو بين تشرين الثاني ـ نوفمبر 1915 وايار ـ مايو 1916 استهدفت بداية الى تفكيك الدولة العثمانية واعادة توزيع النفوذين الانكليزي والفرنسي في الشرق الاوسط وبناء كيانات جديدة والتحضير لنشوء دولة اسرائيل. فالانتداب كان الهدف وليس الاستقلال".

من اهمّ ما ورد في كلمة الرئيس اللبناني السابق انّ "من مفارقات التاريخ الحديث، ان الشعوب العربية التي كانت تناضل لتغيير الكيانات التي استحدثها اتفاق سايكس ـ بيكو والمؤتمرات اللاحقة بعد الحرب العالمية الاولى اصبح اقصى مناها اليوم، بعد الثورات العربية المشوّهة (2010 - 2016) ان تحافظ على كياناتها وتنقذ حدودها الدولية التي ارساها اتفاق سايكس ـ بيكو (...) ان سايكس ـ بيكو القديم نقل المشرق الى دول معترف بها دوليا. امّا سايكس ـ بيكو الجديد فسيحوّل الدول الى كانتونات".

من ابرز الذين كانت لديهم مداخلات في المؤتمر النائب سامي الجميّل رئيس "حزب الكتائب" الذي اثار موضوع "الظلم" الذي لحق بالاكراد الذين حرمهم سايكس ـ بيكو من دولة مستقلّة. صحيح ان مؤتمر سيفر الذي جاء بعد اتفاق سايكس ـ بيكو اشار الى دولة كردية مستقلّة، لكن "الروح الوطنية والقومية التركية" التي تجلّت بعد انقلاب اتاتورك حالت دون تحقيق هذا الهدف الكردي.

من الواضح، استنادا الى مداخلات عدّة، انّ اي اتفاق جديد في شأن المنطقة سيأخذ في الاعتبار حاجة الاكراد الى دولة مستقلة. كان هناك شبه اجماع بين الذين شاركوا في المؤتمر الذي انعقد بالتنسيق مع "مؤسسة كونراد اديناور" على ان تحولات ستطرأ على المنطقة كلّها. سيترتب على هذه التحولات اخذ العلم بالعنصر الشيعي الذي تجاهله اتفاق سايكس ـ بيكو قبل قرن. لم يعد هذا التجاهل ممكنا الآن، ولكن يظلّ السؤال هل في استطاعة ايران الاستمرار في مشروعها التوسّعي الذي قام على الاستثمار في الغرائز المذهبية والذي تلقّى دعما قويا بعد الاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003، ام سيكون في مقدور الشيعة العرب لعب الدور المطلوب منهم بعيدا عن ايران وسياساتها وتطلعاتها ذات الطابع الاستعماري؟

سمح المؤتمر باعادة اكتشاف الاستاذ الجامعي جو مايلا، الرئيس السابق للجامعة الكاثوليكية في باريس، والذي يتميّز بواقعيته وتواضعه وفهمه العميق للشرق الاوسط بعيدا عن الادّعاءات الفارغة. وصف مايلا، ابرز الاساتذة الجامعيين اللبنانيين في فرنسا، سايكس ـ بيكو بانّه آخر قرار اتخذه البريطانيون والفرنسيون على صعيد اقتسام النفوذ في منطقة من مناطق العالم. شدّد على ان الاتفاق "كان ذا طابع استعماري"، كما "اسس لدول شابة في مجتمعات قديمة".

سمح المؤتمر ايضا بالتعرّف الى وجهات نظر قيّمة لكثيرين. من بين هؤلاء الوزير السابق والنائب مروان حماده والباحث حسن منيمنه المقيم في واشنطن وستيفن هايدمان رئيس "كرسي جانيت رايت كيتشام" وجيمس بار وبول سالم ومروان المعشّر وآندرو تابلر والوزير السابق روجيه ديب وعمر العظم ونبيل عمرو ومحمود سويد وجون بيل والدكتور ناصيف حتّي وميسون دملوجي ورند الرحيم والزميل جهاد الزين وآخرون.

لا اجوبة محدّدة عمّا ينتظر الشرق الاوسط حيث لا تزال الدول التي قامت استنادا الى سايكس ـ بيكو محافظة على حدودها، باستثناء ان "داعش" ازال الحدود بين مناطق سنّية في سوريا والعراق. المؤسف انّه لم يوجد من يشير الى خطورة عدم اعتراف "حزب الله"، كميليشيا مذهبية، بالحدود بين لبنان وسوريا!

لكن ما كان ملفتا في سياق المؤتمر اشارات صدرت عن مشاركين فيه الى صمود لبنان في وجه كلّ العواصف التي تعرّضت لها المنطقة وعلى الرغم من سوء الحال التي يمرّ فيها حاليا. هناك هوية وطنية لبنانية، يتمسّك بها المسيحي والمسلم برزت على السطح بشكل واضح في السنوات القليلة الماضية.

ربّما كان ذلك عائدا الى انّ الجبل المسيحي ـ الدرزي الذي تمتع بنوع من الاستقلال في العهد العثماني والى ان المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بدأت باكرا، حتّى عندما كان المسيحيون اكثرية، او لأن بناء مؤسسات الدولة بدأ في عهد المتصرّفية حين كان المتصرّف مسيحي من خارج لبنان، ولكن من رعايا الدولة العثماية.

توقف عدد لا بأس به من المشاركين عند تجربة الاردن الذي صار دولة تمتلك مؤسسات حقيقية لديها وجودها ودورها في المنطقة. كان الفضل في ذلك الى الهاشميين الذين عرفوا معنى بناء دولة وكيف التعاطي مع المواطن. استخفّ كثيرون بالاردن في الماضي، لكن تجربته كشفت ان الفشل لم يكن فشل سايكس ـ بيكو بمقدار ما انّه كان فشل الانظمة الديكتاتورية التي قضت على كل المؤسسات الموروثة عن الانتداب او الاستعمار وحتّى عن الدولة العثمانية.

هل كان سايكس ـ بيكو فاشلا منذ البداية... ام ان الفشل الحقيقي هو فشل الذين لم يتمكنوا من البناء عليه، بل تاجروا بقضية فلسطين وقمعوا شعوبهم من اجل البقاء السلطة وليس من اجل ايّ شيء آخر غير ذلك؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>