First Published: 2016-05-24

الفلوجة مدينة السماء

 

قتلة الفلوجة لن يجدوها اليوم إلا في السماء، وحديثهم عن تحرير الفلوجة من قبضة داعش كذبة لتبرير محوها من الجغرافيا، بقرار أميركي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

تخلى عنها العالم منذ أن قررت الولايات المتحدة، أعظم قوة عسكرية واقتصادية في عالمنا أن تتخذ منها عدوا.

هل قُدر للفلوجة، المدينة العراقية الصغيرة النائمة على صدر الفرات ألا تدخل التاريخ إلا من الباب الذي لن يستطيع أن يغلقه أحد؟

لم ترفع الفلوجة شعار "الموت لأميركا" كما تفعل ايران.

لم يعلن الفلوجيون الحرب على إسرائيل كما تفعل حركة حماس وحزب الله بين حين وآخر. ولم يهددوا بطائراتهم أبراج نيويورك. ولم يبرمجوا ابناءهم للقيام بعمليات انتحارية كما تفعل المنظمات الإرهابية.

أما كان في إمكان المحتل الأميركي أن يترك الفلوجة وسط بساتينها متمردة وغاضبة وساخطة ومتذمرة وعصية غير أنها في الوقت نفسه ستكون منسية؟

لم يكن لدى الفلوجة سوى مآذنها وذكريات عن ثورة العشرين.

ما الذي دفع الولايات المتحدة إلى أن تشن حربين في عام واحد هو 2004 على مدينة صغيرة، يمكن تفادي المرور بها بيسر؟

لم تكن أسباب الحرب الأميركية على الفلوجة طائفية.

ما أزعج القوة الكبرى في العالم أن الفلوجة لم تبايع المحتل. سيقال أن مدناً أخرى في العراق لم يطلب منها المحتل أن تبايعه فظلت آمنة. وهو قول يخالف الحقيقة. ذلك أنه ما من مدينة في العراق أعلنت رفضها لوجود المحتل مثلما فعلت الفلوجة.

وهو ما جلب عليها نقمة المحتل الأميركي ورغبته في الانتقام.

الفلوجة منذ الحربين الاميركيتين هي مدينة معزولة. فرض عليها الحصار ولا وطن لها تعود إليه لتبث شكواها من قهر أخوتها.

لا أحد في إمكانه أن يدعي اليوم أن هناك محاولات قد بذلت لإعادة تلك المدينة المنكوبة إلى حضن الوطن الام.

صارت الفلوجة بالنسبة لسياسيي بغداد هي الورم الذي يجب استئصاله.

وليس من باب المبالغة في شيء أن ذلك الوصف كان مستلهما من أدبيات المحتل. ذلك لأن أحدا من العراقيين لن يكون في إمكانه أن يستذكر أهل الفلوجة باعتبارهم اشراراً. لقد ولد الشر يوم وطئت قدم المحتل أرض العراق.

الحديث اليوم عن تحرير الفلوجة من قبضة داعش ما هو إلا كذبة. ما يجري فعلا هو الحلقة الأخيرة من مسلسل حرق المدينة وإيادة سكانها ومنع مَن رحل منها من العودة إليها. هذه مدينة كُتب عليها أن تُمحى من الجغرافيا. وهو قرار أميركي قبل أن يكون قرارا طائفيا.

قد لا يفهم الطائفيون الذين يحيطون الفلوجة بسكاكينهم المعنى التاريخي لما يفعلون.

ما لا يدركه أولئك الطائفيون أنهم مجرد أدوات لتنفيذ قرار، كان قد اتخذ سلفا.

سيكون محوها من الخارطة الأرضية امرا يسيرا. غير أن القيمة الرمزية لمدينة مثل الفلوجة صنعت لها حجما في السماء يوازي حجم المدن العظيمة.

الفلوجة اليوم هي واحدة من أكثر المدن شهرة في العالم. سيكون التخلص منها محاولة عبثية لإلغاء التاريخ. ما فشلت فيه الولايات المتحدة لن ينجح في الوصول إليه طائفيو العراق ومن ورائهم الإيرانيون.

لن يجد قتلتها شيئا منها فيها.

لقد أضحت الفلوجة منذ زمن بعيد جزءا من الذاكرة البشرية. تسامت بأرواح الأبرياء من قتلاها حتى غدت مدينة سماوية.

لذلك فإن فتحها المبين سيكون عارا مضافا ستحمل الأجيال العراقية المقبلة وزره.

منذ 2004 تُركت المدينة المقاومة نهبا للغزاة. صارت عراقيتها موضع سؤال وشك وريبة. ولم تكن حدائق بيوتها التي تحولت إلى مقابر كافية للطائفيين لإعلان اخلاصها لعراق لم يكن في إمكانهم الاعتراف بوجوده. كانت تلك الحدائق ـ المقابر عارهم الذي يودون اليوم التخلص منه.

لن يجدوا الفلوجة بعد أن حلقت في السماء.

 

فاروق يوسف

الاسم خيري حرز الله
الدولة الاردن

مقال موجع, كلما ذكرت مدينة الفلوجة ينقبض قلبي و ازداد حزن على حزن و يكاد صمتي أن ينفجر, وكأن أهلي فيها لا بل من فيها هم اهلي.

2016-05-26

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
آن لقطر أن تطوي مشروعها
2017-09-11
المزيد

 
>>