First Published: 2016-05-24

المقياس صفر

 

ذائقتنا البصرية التي تأسّى عليها من قبل الناقد الفني هربرت ريد في كتابه “معنى الفن” ليس بمقدورها أن تعبّر عن استيائها، العين لا تدمع قبالة المشهد القبيح، مثلما نسد أنوفنا من الرائحة العطنة!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أجد نفسي عاجزا عن إيجاد تفسير أو دلالة جمالية لموضة شائعة بين الفتيات اليوم، خلاصتها ارتداء بنطال ممزق! بعضهن مترددات قليلا عندما يكتفين بشقين عند الركبتين، أما المتباهيات فلا حرج في أن يوزعن الشقوق بين الساقين حتى تصل إلى الفخذين.

لا أجدني الوحيد العاجز عن إيجاد مثل ذلك التفسير الجمالي أو الذوقي لهذه الموضة الشائعة هذه الأيام باستثناء التهكّم بأنها نوع من التعاطف مع الفقراء الممزقة ملابسهم! فذائقتنا البصرية التي تأسّى عليها من قبل الناقد الفني هربرت ريد في كتابه “معنى الفن” ليس بمقدورها أن تعبّر عن استيائها، العين لا تدمع قبالة المشهد القبيح، مثلما نسد أنوفنا من الرائحة العطنة!

القبح ينتشر بين المباني والتصاميم المعمارية ويهبط إلى ما يرتديه الناس من أثواب، وذائقتنا البصرية متقبّلة وصامتة حتى تصل إلى درجة قبول الرداءة كقدر لا مفرّ من الانصياع له.

قبل سنوات شاعت موضة بين الفتيات وكانت موضع احتفاء مغنيات البوب وممثلات الدرجة الثالثة، خلاصتها إظهار اللباس الداخلي فوق البنطال، فكان من السهل مثلا أن يلتقط المصورون صورة اللباس الداخلي للمغنية برتني سبيرز وهي تمشي، يتضح فيها ماركة هذا اللباس واسم الشركة المصنّعة، مما دفع باحثة جامعية فرنسية إلى القول إن اختصار المرأة بمجرد مؤخرة أمر يدعو إلى ما هو أكثر من الخجل نفسه!

بالطبع لا يشعر من يقف وراء موضة البنطال الممزق أو إظهار اللباس الداخلي بالخجل، الخجل بالنسبة للموضة تعبير لا يمت بصلة لمثل هذا الإبداع التصميمي!

حتى الحكومات شعرت بالقلق على البنات بعد أن أثرت تداعيات الموضة على صحتهن، وحذّرت من الشغف المبالغ فيه بـ“المقياس صفر”، فصحة الفتيات تدهورت بامتناعهن عن تناول الطعام بشكل طبيعي من أجل الوصول إلى المقياس صفر وارتداء أبرع ما عرضته الموضة كعارضات الأزياء!

بينما قدمت لنا بالأمس الممثلة ميريل ستريب درسا فلسفيا بقولها “لا يوجد إلهاء قاتل للروح ومدمر للنفس وأحمق أفضل من تبديد فكرك في الحميات الغذائية”.

تسنى لي مرة أن ألتقي بخبيرة أزياء إنكليزية، فسألتها إن كان بمقدورها أن تحدد لي المقياس صفر إذا كانت هي مثلا تلبس المقياس ستة؟ وبقيت تدور وتتحدث عن مواصفات الجسد لدى المرأة لكنها لم توصل لي وفق الحساب الهندسي معنى أن ترتدي المرأة المقياس صفر!

ببساطة إن الموضة تغيرت أكثر من التغيير نفسه، مع أنها أحيانا تعود إلى اكتشاف تفاصيل من عقود سابقة لتعيد تسويقها من جديد، لكن من هو في مثل عمري لن يكون سهلا عليه أن يجد ما يرتديه، فينقاد خانعا لما يباع.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>