First Published: 2016-05-28

هلاك استثنائي

 

في كل الحروب التي شنت عليها، لم تُخير الفلوجة عاصمة الشقاء العالمي، بين الاكتفاء بشقائها وبين التدمير الشامل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

تزعجني هتافات المنتصرين في عصر غلب عليه الكذب. فالمنتصر يكذب فيما المهزوم لا بعرف سببا لهزيمته. ذلك لأنه لم يكن مخيرا في أن يكون طرفا في حرب فرضت عليه.

حين احُتل العراق عام 2003 لم يخيره أحد بين الحرب والسلام.

في كل الحروب التي شنت عليها، لم تُخير الفلوجة وهي عاصمة الشقاء العالمي بين الاكتفاء بشقائها وبين التدمير الشامل.

في كلا الحالتين كان المنتصرون يكذبون.

كان الهدف وحده صادقا.

عينا أن نصدق أن الرغبة في انجاز هلاك استثنائي يُسجل في التاريخ باعتباره سبقا كانت هدفا يستحق كل هذا الجنون الذي سيعتبر القانون الدولي نتائجه جريمة مؤكدة في حق الإنسانية.

هل كان المنتصرون في التاريخ على هذا المستوى من الابتذال والقبح والرخص والدناءة مثلما هو حال المنتصرين في عصرنا؟

لو كان الامر كذلك فسيكون علينا أن نعيد النظر في التاريخ.

ما لم يكن منطقيا أن تشن مدينة صغيرة مثل الفلوجة الحرب على الولايات المتحدة التي تملك أعظم قوة عسكرية في عصرنا. في المقابل لن يكون مقبولا أن تشن الولايات المتحدة حربا على الفلوجة. غير أن تلك الحرب قامت وصارت حدثا تاريخيا.

لو صدقنا نظرية الضفدعة التي تنفخ في نفسها لتكون بقرة خيالية لا يمكننا ان نصدق نظرية الثور الذي يرنو إلى أن يكون سلحفاة متخيلة. إنه نوع من الهذيان. غير ان كل ما شهدناه لم يكن بعيدا عن ذلك الهذيان.

لقد اختارت الولايات المتحدة وهي ثور هائج أن تنطح بقرنيها حائطا هشا هو العراق. حين حطمته مشت مثل سلحفاة لتدوس بقدميها الثقيلتين بلدة نائمة على نفسها اسمها الفلوجة. ما هذا الكذب الذي لم ينظم وقائعه؟

تبدو صناعة التاريخ على قدر كبير من الهشاشة. فأي تاريخ هذا الذي يبنى على حطام المدن وأشلاء الضحايا ودموع المنتحبات؟

ليس التاريخ ما يكتبه المنتصرون دائما. لقد تبدل العالم ومعه تبدل الإنسان وتبدلت وسائل وطرق فهمه ونظرته إلى قيمة وجوده. هناك اليوم ما يُكتب بعيدا عن إرادة يد المنتصر. وهو ما يشكل نهاية للتاريخ باعتباره كذبة. ولكنها نهاية جزئية ليس إلا.

فالدعاية وكل تقنيات النشر والترويج والاتصال هي ملك المنتصر. ولو لم يكن الامر كذلك لما كان في الإمكان أن تمر جرائم كثيرة لا تزال تثقل كاهل الضمير البشري بصرخات ضحاياها.

غير أن الحياة الإنسانية وقد تخلت عن الكثير من خرافاتها واتخذت من العلم مصدر هداية لها لم تعد تقبل الحقائق المطلقة. بذرة الشك هي أساس شجرة المعرفة. وهو ما يضع كل ما يقوله المنتصرون بين قوسين.

ولو عدنا إلى موضوعة العراق لاكتشفنا أن اعادته إلى عصور ما قبل التاريخ قد تمت برمجتها في سياق نظري كرس مفهوم نهاية التاريخ وقد لا يكون فعل الإبادة المنظمة الذي تعرضت له مدينة صغيرة مثل الفلوجة إلا واجهة حية لوضع نهاية للتاريخ الذي يكتبه المنتصرون.

ما لم يقله المهزومون بعد أن حُكم عليهم بالصمت قاله المنتصرون مضطرين.

فحين اُحتل العراق كان القرار الأميركي صارما. لن يكون مسموحا بظهور فيتنام جديدة. غير أن عارهم في فيتناهم ظهر جليا في الفلوجة. الفرق أن العار هذه المرة شمل الإنسانية كلها.

ما تعرضت له الفلوجة من هلاك استثنائي، سواء في ظل الاحتلال المباشر أو في ظل الحكومات التي أنتجها ذلك الاحتلال هو عار لا يستطيع التاريخ البشري تحمل أوزاره. ذلك لأنه ينتمي إلى حقبة لم تعد كتابة تاريخها ممكنة.

ما لم يحسب له المنتصرون في الفلوجة حسابا أن المدينة التي محيت قد انتصرت عليهم حين أخرجتهم من التاريخ.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
المزيد

 
>>