First Published: 2016-05-29

الصحافي والوزير: من يغطي من؟

 

أن يعترف كبار الصحافيين الأميركيين بأن البيت الأبيض يمالي المراسلين من أجل مصلحة ما، فإن الاختلال في القيم الصحافية قد امتد إلى كبرى الديمقراطيات المعروفة بصحافتها الحرة وبحرية تداول المعلومات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كان الصحافيون في زمن الحكم الشمولي يتلقون مسبقا أسئلتهم من قبل المسؤولين من أجل أن يعيدوا إطلاقها على الرئيس أو الزعيم المحبوب، فتكون الإجابة مهيأة سلفا، من كان يقوم بهذا الدور كان يضحك على نفسه أكثر مما يُضحك عليه!

والحكومات كانت وما تزال، لا تكتفي بإخفاء الحقائق عن الجمهور، بل تسعى أيضا إلى تعيين مستشارين إعلاميين لا يشغلون مواقعهم كما ينبغي، وتخضع تصريحاتهم لأسلوب دعائي من أجل تلميع صورة حكومات بلدانهم، بغض النظر عما تقدمه.

اليوم بعض الصحافيين لا يتلقون الأسئلة مسبقا، بل يكررون أسئلة يعرفون أجوبتها مسبقا في مداهنة مكشوفة للمسؤولين الحكوميين، أو على الأقل لعجز في قراءة الواقع.

حدث مثل ذلك عندما سأل من يُفترض به أن يكون “صحافيا”، وزير خارجية قطر عما يحدث من تفجيرات في بغداد، فرد الوزير ببساطة أن مثل هذا السؤال يوجه إلى وزير داخلية العراق وليس لي! كان ينقص الوزير القطري التهكم بتذكير مثل ذلك “الصحافي” بأنه وزير خارجية قطر، والعراق ليس قطر كما تعرف أيها الصحافي!

مثل هذا يحدث حتى مع صحافيي البيت الأبيض، أو كما يصفهم المراسل السابق لصحيفة نيويورك تايمز، راسل بيكر “لا يوجد صحافيون يغطّون البيت الأبيض، بل يوجد صحافيون يغطيهم البيت الأبيض”.

العلاقة بين الصحافة والحكومات لا يمكن أن تكون على ما يرام، ولن ترضى الحكومات أبدا عن الصحافيين، وإلا عم الفساد وضعف الأداء واختلت القيم.

الصحافة تراقب أداء الحكومات التي لا تدفع سوى ضريبة كلامية عن الحرية، لمنع التهاون في المال العام، وبمجرد أن يرضى المسؤولون عن الصحافيين، فهذا يعني أن جانبا في المعادلة قد اختل وفقدت الصحافة حساسيتها لمصلحة ما.

الصحافيون يدركون أن عليهم مقاومة خطر وقوع الديمقراطية فريسة للاستبداد والديماغوجية السياسية وحتى الإجرام من قبل القادة المنتخبين والمسؤولين الحكوميين.

أو بتعبير نيك روبنسون كبير مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في مقر 10 داونغ ستريت “لقد كان هناك دائما توتر بين الصحافيين والسياسيين بحكم رغبتهم في السيطرة على وسائل الإعلام وإخضاع المراسلين لخطابهم السياسي”.

مثل هذا الكلام أيضا تناوله آدم بولتون المحرر السياسي السابق لشبكة سكاي نيوز، عندما طالب المستشار الإعلامي لرئيس أي حكومة بعدم إقصاء الصحافيين والعمل على مساعدتهم في الحصول على المعلومة الدقيقة، رافضا أن تكون مهمة المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة هي إملاء الأخبار على الصحافيين.

المعادلة بين الصحافي والمسؤولين الحكوميين تعاني من الاختلال، وليس السياسيون وحدهم سبب مثل هذا الاختلال، بعض الصحافيين يشتركون في ذلك، ومن حسن الحظ أن المعادلة تجري في زمن معلوماتي مفتوح من الصعوبة بمكان خداع الجمهور فيه.

أن يعترف كبار الصحافيين الأميركيين بأن البيت الأبيض يمالي المراسلين من أجل مصلحة ما، فإن الاختلال في القيم الصحافية قد امتد إلى كبرى الديمقراطيات المعروفة بصحافتها الحرة وبحرية تداول المعلومات.

الصحافيون الأميركيون يمتلكون نماذج حرة ينبغي العودة إليها كلما تلكؤوا في مواجهة المسؤولين وتأثير الخلل الحكومي والأكاذيب السياسية، والصحافيون العرب معنيون بمثل هذه التجارب برغم صعوبة عملهم وخضوعهم للممول وضعف تجاربهم وضيق البدائل المتاحة أمامهم.

يمكن استذكار تجربة كارل بيرنشتاين الصحافي والكاتب الأميركي الذي ساهم في كشف تداعيات فضيحة “ووترغيت” عندما كتب التقارير الإخبارية الأكثر أهمية التي تسببت في استقالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون آنذاك، ونشر مجموعة من المؤلفات حول سوء استخدام السلطة.

بيرنشتاين طالما اتهم السلطات بأنها تلوي عنق الأكاذيب لتطويق الصحافة، وسيكون من المخيف أن ينتقل اليوم مثل هذا الاتهام إلى الصحافة نفسها، وتُتهم بلوي عنق الأخبار لتبييض صفحة الزعماء والوزراء ورجال الدين.

على الصحافيين أن يفكروا اليوم أضعاف ما كانوا عليه قبل عصر الإنترنت، قبل تحولهم إلى ظلال باهتة للحكومات والمسؤولين، فشبكة الإنترنت جعلت من العالم أكثر ديمقراطية عبر المزيد من الانفتاح والتواصل بين البشر.

أو كما يرى أريك شميدت الرئيس التنفيذي لمحرك البحث العملاق غوغل، أن الشبكة العالمية لديها ما يكفي حتى الآن لترقى إلى مستوى اسمها، عندما شبه الأمر بحس فلسفي وملاحظة لافتة للنظر عبر قوله “ببساطة، الشبكة ربطت العالم لإطلاق سراح العالم!”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>