First Published: 2016-05-30

التعايش بين طليطلة وكتالونيا

 

الحضارة الغربية المسهبة في التنظير الفكري عن التعايش تجد نفسها عاجزة عن تكرار فترة التعايش المثالية في عصر الاندلس العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

قد لا أكون مبالغاً حين أقول إن مفردة "التعايش" من أكثر المفردات تداولاً في الثقافة الغربية المعاصرة، فلا يكاد يخلو منها أي خطاب أو مقال سياسي في الصحافة الغربية، والسبب هو أن الحركات الانفصالية ذات النزعة القومية بدأت برفع سقف مطالبها المحصورة سابقاً في التمتع بالحكم الذاتي لإدارة أقاليمها وفق امتيازات خاصة تميزها عن الآخرين إلى الاستقلال التام عن بقية الأقاليم التي تشكل معها دولة واحدة. إن تكرار مفردة "التعايش" في أكثر من مناسبة وموقف له دلالاته التي تحرك مخاوف النخب والقيادات إزاء الدعوات الانفصالية المتزايدة على مختلف الأصعدة والمستويات.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال حصر أسباب تنامي ظاهرة النزعة الانفصالية في الاختلاف اللغوي والثقافي بين جماعة وأخرى، ثمة دواعٍ وأسباب تقف وراء ارتفاع الأصوات القومية التي لا تؤمن بمفهوم التعايش الذي يصعب اختزاله في بضعة أسطر أو تعريفه بصورة مبسطة، فهو أشبه بالمكابح التي نستخدمها قبل أن نصطدم بالأشياء التي تعترض طريقنا بين الحين والآخر كي لا نؤذي أحداً ولا نتأذى؛ لأنه يحيد كثيراً من سطوة الأيديولوجيا الدينية والسياسية على فكر الإنسان، ويجعله أكثر تقبلاً وتسامحاً مع الآخرين رغم الفروقات العرقية والدينية بينه وبينهم. والتعايش في رأييَ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجموعة من القيم الدينية والإنسانية التي ترتكز في جوهرها على التسامح والإيثار والمحبة والمشاركة حيث يبدو الإنسان من خلالها متجرداً من الأنا في سبيل إيجاد قواسم مشتركة تجمعه بالآخرين.

كانت مدينة طليطلة مثالاً رائعاً لمفهوم التعايش بين المختلفين بل هي أوضح مثال يستشهد به المثقفين من الغرب والشرق على أن مفهوم التعايش بدلالاته العميقة ليس ضرباً من الخيال كما يزعم البعض بل هو حقيقة تجسدت بكل أبعادها على تلك الأرض. فالتاريخ يشهد على أن مدينة طليطلة عاشت إبان الحكم الاسلامي فترة ذهبية لم تتكرر منذ أن طرد الملك الاسباني الفونسو السادس المسلمين منها ثم أتبعهم باليهود، فهي المدينة التي ابهرت العالم بأسره حينما كانت الثقافات الاسلامية والمسيحية واليهودية تعيش جنباً إلى جنب طوال قرون من الازدهار والتفوق العلمي في شتى حقول العلم والمعرفة.

لذلك أطلق عليها المؤرخون لقب "مدينة التسامح" كحالة فريدة لم يسبق أن شهدها التاريخ منذ فجر الانسانية الأولى حيث تميزت بدرجة عالية من الانسجام والتآلف بين خليط من الأعراق والأديان في مرحلة تاريخية خالدة في ذاكرة التاريخ الإسلامي في بلاد الأندلس. هنا فقط نستطيع القول أن عناصر ومقومات الحضارة الحقيقية اكتملت بجوانبها المادية والمعنوية لتصبح طليطلة فيما بعد منارة للعلم ومركزاً للإشعاع الحضاري الذي أضاء ظلام أوروبا، ونقلها من التعصب الديني والعرقي إلى فضاءات شاسعة من التسامح والإخاء والمحبة.

وفي العصر الحديث، ظهرت في اسبانيا نزعات قومية تدعو إلى الانفصال والتعصب إلى الهوية الاقليمية والثقافة المحلية على حساب الوطن الأم، والذي من المفترض أن يكون التنوع والاختلاف في الأعراق واللغات ثرائه الحقيقي الذي يتباهى به أمام الأمم الاخرى لا أن يكون مصدر قلق مزمن خشية من تمزق الجسد وانفصام العرى الوثيقة بين الأقاليم، وهذا ما لا يؤمن به أنصار النزعة القومية في أقاليم كتالونيا والباسك وغاليثيا رغم روابط الدين والتاريخ المشترك بين أبناء المملكة الاسبانية على مر العصور.

تمر إسبانيا في الوقت الراهن بجملة من التحديات رغم التعافي النسبي من الازمة الاقتصادية الخانقة والتي على إثرها ارتفع معدل البطالة إلى رقم قياسي بلغ 27% وهو معدل مخيف بكل المقاييس والمعايير الدولية بالنسبة لدولة ذات مرتبة متقدمة في سلم الاقتصاد العالمي، حيث تحتل المرتبة الرابعة على مستوى الاتحاد الأوروبي والثانية عشر على المستوى العالمي، إلا أن وجود ما يعرف بــ "الاقتصاد المغمور" خفف من آثار الأزمة الطاحنة، وهو باختصار كل نشاط اقتصادي يقوم به الأفراد دون معرفة الأجهزة الرقابية عنه؛ أي لا يتم اشعار السلطات بطبيعة ذلك النشاط ولا الأموال التي يجنونها من ممارسته في الخفاء، بهدف التهرب من الضرائب والاستقطاعات التي عادة ما تفرض على دخل المواطنين تلقائياً بمجرد الإفصاح عنها لدى الجهات المختصة.

والحقيقة أن تحدي الأزمة الاقتصادية كان تحدياً مرهقاً ومكلفاً للشعب الإسباني، إذ ارتفعت نسبة الضرائب على السلع والمنتجات من 18% إلى 21% بالإضافة إلى تسريح الشركات الكبرى آلاف الموظفين بحجة ارتفاع تكلفة الانتاج وتنامي العجز والديون، لكن لم يكن هناك ثمة خيار آخر أمام الحكومة الاسبانية إزاء تدهور الاوضاع الاقتصادية على المستوى العالمي برمته، وقد استطاعت أن تحقق نسبة نمو جيدة خلال السنوات الماضية رغم الهزات الاقتصادية التي تعرضت لها، إلا أن أصعب تحدي تواجهه الحكومة الاسبانية حتى الآن، هو التحدي الكتالوني الذي شكل خطراً يهدد النسيج الاجتماعي لمملكة إسبانيا إلى درجة أن الشعارات الانفصالية التي يروج لها الساسة في كتالونيا أصبحت شائعة ومتداولة حتى في المجال الرياضي، إذ استقبلت جماهير الفريق الكتالوني في العام الماضي ملك اسبانيا اثناء رعايته للمباراة النهائية على كأس الملك بصيحات استهجان ولافتات تحمل شعارات تدعو الى استقلال كتالونيا وحاولت هذا العام تكرار السيناريو على كأس الملك إلا أن الاتحاد الاسباني منع دخول أي مشجع يحمل لافتة تدعو إلى الانفصال.

إن المقارنة بين ما كانت عليه مدينة طليطلة في الماضي من تسامح ومحبة بين سكانها على الرغم من الفروقات العرقية والدينية، وبين ما يقوم به الساسة في اقليم كتالونيا من محاولات حثيثة للانفصال عن بقية الأقاليم وتمزيق الوحدة الوطنية، تؤكد لنا أن الحضارة الغربية فشلت حتى الآن في تكرار نموذج التعايش بالقدر الذي كانت عليه مدينة طليطلة إبان الحكم الإسلامي، وهذا يعطينا دلالة على أن الحضارة الغربية ركزت كثيراً على التنظير في الجوانب الاجتماعية واهتمت بالجانب المادي كعنصر أساسي في بناء المجتمع.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
التعايش بين طليطلة وكتالونيا
2016-05-30
المزيد

 
>>