First Published: 2016-06-02

التسوية السياسية والمصالحة الفلسطينية

 

يبدو الطريق إلى التسوية مفتوحا بصرف النظر إذا كان مفروشا بالورود أم بالأشواك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

هل هناك رابط بين التوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل والمصالحة الفلسطينية؟ وهل يمكن التوصل للأولى بدون إتمام الثانية؟ وهل تصمد التسوية في ظل استمرار المناكفات بين الفصائل الفلسطينية؟ وهل هناك رغبة أصلا من الأطراف المعنية للتسوية أو المصالحة؟

سلسلة طويلة من الأسئلة لا تتوقف بدأت تقفز إلى الذهن، عقب طرح الرئيس عبدالفتاح السيسي مجموعة مهمة من الأفكار منتصف الشهر الماضي، بشأن قواعد وأسس حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حركت جانبا كبيرا من المياه الراكدة، خاصة أن حديث المصالحة بدأ يتردد بقوة متزامنا مع زيادة الزخم حول السلام، وهو ما جعل البعض يربط بينهما، في وقت تراكمت فيه الأزمات، بصورة جعلت التفكير في التسوية مسألة صعبة، والمصالحة الفلسطينية مستحيلة.

ما يضفي قدر من التفاؤل، أن هناك رغبة إقليمية ودولية، لتعبيد الطريق أمام التسوية، فالمبادرة الفرنسية والجهود المصرية حظيتا بتأييد دوائر عدة، أجبرت إسرائيل على تعديل خطابها السياسي الرافض للسلام، خشية أن تتبنى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قبل رحيلها قرارا في مجلس الأمن لا يتسق مع مصلحة إسرائيل الآن.

حتى أفيجدور ليبرمان اليميني المتطرف ووزير الدفاع الجديد اعترف أنه لا يمانع في إقامة دولة فلسطينية، كما أن بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء منح مبادرة السلام العربية التي طرحت عام 2002 دفعة رمزية، عندما قال "بها عناصر إيجابية.. لكنها تحتاج لبعض المراجعات"، في محاولة لتفعيل مبدأ شامير أنه على استعداد للتفاوض عشر سنوات دون أن يتحرك قيد أنملة من مكانه، في إشارة إلى قدرته على نسف التحركات من داخلها.

الجهود الإقليمية التي تبذل والإشارات التي تأتي من جهات مختلفة والمؤتمر الدولي الذي تقرر انعقاده، كلها علامات تشير إلى أن هناك رغبة لتحريك قطار التسوية، وسواء كان هذا الاتجاه يعبر عن إرادة حقيقية لتسوية أصل القضايا في المنطقة، أو التمهيد لمشروعات تعاون قادمة في المنطقة، أو حتى التغطية على ترتيبات يتم التجهيز لها، فهي تعني في النهاية أن هناك جولات منتظرة من الضجيج، لقاءات ومباحثات ومفاوضات، بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

بالتالي يبدو الطريق إلى التسوية مفتوحا، وبصرف النظر إذا كان مفروشا بالورود أم بالأشواك كالعادة التي رسختها تجارب العقدين الماضيين، سوف تمشي فيه الأطراف المهتمة، متلمسة الخطوط التي تسمح بتحاشي العبور من المناطق المليئة بالأشواك، ومحاولة تقليمها، لمنح طاقة أمل تجعل عملية السير تنطوي على قدر من السلاسة.

الليونة المفاجئة في خطاب نتانياهو وليبرمان قبل يومين، كان غرضها تخفيف حدة الضغوط التي يمكن أن تقع على عاتق تحالفهما، فقد وجدا أن ثمة تيارا (إقليميا ودوليا) جارفا يميل نحو التسوية، من الواجب عدم ممانعته بالطرق التقليدية، المتمثلة في التعنت والصراخ وإطلاق اللعنات والتهديدات، والمضي قدما وفقا لحسابات دقيقة، وعمد نتانياهو وضع المتطرف ليبرمان في الواجهة ليكون البلدوزر الذي يجرف به الملفات المثيرة التي لا تتوافق مع مصلحة إسرائيل.

لذلك قرر استخدام سياسة الأداتين، التجاوب ووضع العصي (ليبرمان) في العجلات، عندما يرى هناك ضرورة لفرملة نهج التسوية، التي يريد منها فقط جني الثمار الإيجابية لما يجري من تدهور في المنطقة العربية، بمعنى الوصول إلى الصيغة القديمة للتطبيع مع دول المنطقة، وإعادة إحياء خريطة التحالفات الاقتصادية القديمة للشرق الأوسط الجديد.

وفي هذه الحالة يمكن أن توافق تل أبيب على دولة فلسطينية مستقلة، بعد إجراء مجموعة من التباديل والتوافيق المادية والمعنوية، من مبادلة للأراضي وتقديم مزايا رمزية في بعض القضايا المستعصية، مثل القدس واللاجئين وحق العودة.

من هنا تصبح التسوية ممكنة بدون شرط إتمام المصالحة الفلسطينية، لأن ربط الأولى بالثانية سوف يعيقهما معا، فالتسوية وفقا للتقدير السابق لن يكون من المقبول هضمها وتمريرها، لأنها تسعى إلى استغلال الترهل العربي، وتوظيف المأزق الذي تعيشه السلطة الفلسطينية حاليا، والضغط عليها للموافقة على ما لا يمكن أن تقبله وهي بكامل عافيتها السياسية والاقتصادية، بالتالي فلحظة الضعف الحالية مناسبة من جانب إسرائيل وبعض القوى الدولية التي تريد نجاحا محدودا للتسوية.

إذا جرى تمرير هذا السيناريو سوف تحتاج الدولة الفلسطينية الوليدة لبضعة عقود من المناوشات الداخلية، تتفرغ فيها لتصفية الحسابات، قبل أن تكتمل معالمها النهائية، وتكون إسرائيل حصدت ما تريده من مكاسب، أي التحقت بقطار التسوية وهي متحكمة في توجهاته، وحتى التنازلات التي يمكن أن تقدم عليها لن تكون بعيدة عن الثوابت التي أعلنتها من قبل، بشأن تقديم ما يوحي أنها متجاوبة مع السلام، بل تصوير نفسها على أنها قائدة له، عندما يرى العالم تفاقم حجم المشاحنات على الساحة الفلسطينية، التي يمكن أن تتجاوز حدود القتال الأهلي المعروف، إلى تعميم فكرة التشرذم والتمزق لما تبقى من أراض فلسطينية.

بعض الأصوات التي نصحت الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) بالدخول في التسوية السياسية في هذه الأوضاع لم تكن منصفة، لأنها ساوت بين جبهات الرفض والممانعة أيام توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 أي إبان عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبين ما يجري اليوم، حيث جرى الاعتراف بالاتفاق لاحقا وتثمينه من قبل البعض، وهؤلاء يرون إمكانية إعادة إنتاج التجربة السابقة، وضرب عرض الحائط بأي مصالحة فلسطينية حاليا.

هذه النبرة الخطرة مليئة بالمغالطات، حيث تتجاهل الفروق النسبية وطريقة الإدارة بين القائدين (أبوعمار وأبومازن)، وتتغافل عامل الزمن ومتغيراته، ونوعية الفصائل المعارضة وتقديراتها، وتراكم الخبرة لدى إسرائيل، ناهيك عن التطورات التي حصلت في الجسم الفلسطيني، من أرض وشعب وتوجهات وانقسامات، وكلها تفرض السعي بجدية للتوصل إلى صيغة مرضية للمصالحة، فالسلام مع إسرائيل وسط هذه الأجواء القاتمة لن يصمد طويلا، ويكرس الشقاق، ويباعد كثيرا بين المسافات، لذلك من المفيد أن تكون التسوية السياسية مرهونة بالمصالحة الفلسطينية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>