First Published: 2016-06-02

فردوس المرجعية الدينية وجحيمها

 

صمت المرجعية لم يكن سوى غطاء يخفي رضاها عما آلت إليه أحوال المسلمين وبالأخص ما أنتهى إليه أتباعها من عزلة طائفية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

سيكون محرجا بالنسبة للبعض سؤال من نوع "هل المرجعية الدينية في النجف مؤسسة طائفية؟"

هناك اليوم تركيز مثير للجدل على طائفية السياسيين وزعماء الميليشيات من أمثال نوري المالكي وهادي العامري ومقتدى الصدر وسواهم من امراء الحرب الطائفية. ولكن ذلك

التركيز ينحرف بالمسالة عن جوهرها. فالطائفية السياسية لم تأت من فراغ، ولا كان الاختلاف الفكري بين المذاهب الإسلامية جوهرها، بل كان لديها دائما ما تستند إليه من فتاو، كان رجال الدين قد صنعوا من خلالها خنادق قتال تفصل بين فرق إسلامية، يقاتل بعضها البعض الآخر.

لم تثبت مرجعية النجف يوما ما أنها كانت أعلى مما تسوقه ألسنة العامة من خلافات في شأن وقائع تاريخية، زج بها الطائفيون في صلب العقيدة، فصار اسلامهم لا يصح إلا بها ومن خلالها. وهو أمر لا يمكن لمرجعية دينية أن تسكت عنه، إلا إذا كان يحظى بقبولها.

كانت حوزة النجف صامتة، كما وصفها المرجع الديني محمد صادق الصدر، الذي حاربته المرجعية والأحزاب الدينية واتهمته بالعمالة لمخابرات نظام البعث الحاكم في العراق. اما حين تم اغتياله فقد اعتبرته شهيدها.

لقد صمتت المرجعية الدينية دهرا بحجة أن موقعها الديني لا يسمح لها بالتدخل في شؤون السياسة. وكان ذلك مفهوما. غير أن ما لم يكن مفهوما أنها صمتت حين كان العامة ينحرون الاختلاف المذهبي وهو اختلاف فكري على مذبح الطائفية.

ما كان مذهبيا تحول بإرادة الأحزاب والجماعات الدينية المتشددة في موقفها من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى إلى سبب للعزلة الطائفية.

وكان ذلك التحول مبنيا على مرويات تاريخية مشكوك في صدقيتها.

وحتى لو كانت تلك المرويات حقيقية فإن إدخالها إلى صلب العقيدة واعتمادها قياسا في الحكم على الآخرين يعد خروجا على تعاليم الإسلام وانحرافا به إلى العصبيات التي تنم عن جهل بقيمه السمحاء.

وقد كان حريا بالمرجعية الدينية وهي الحارسة لاصول الدين بسبب علمها الفقهي أن تتصدى لتلك المحاولات، لا لأنها تمثل محاولة لشق صفوف المسلمين وإشاعة الفوضى وتغليب روح الفتنة حسب بل وأيضا لأنها تمس العقيدة بطريقة تنحرف بها عن حقيقتها السامية التي لا تخضع للأهواء البشرية.

غير أن المرجعية، عبر تاريخها لم تلق خطوة واحدة في الطريق التي تجمع المسلمين وتصون وحدتهم من خلال تنوع أفكارهم وتباين مواقفهم من الاحداث التي شهدها الماضي الإسلامي والتي كانت في معظمها مرآة لتقلبات الأحوال السياسية.

صمت المرجعية لم يكن سوى غطاء يخفي رضاها عما آلت إليه أحوال المسلمين وبالأخص ما أنتهى إليه أتباعها من عزلة طائفية، هي سبب كل ذلك الخوف غير المبرر من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. وكان جزء عظيم من الشعور بالمظلومية هو مجرد انعكاس لذلك الوهم.

فالعراق وقد عشت فيه الجزء الأكبر من حياتي لم يشهد في ظل الحكومات الوطنية استبعادا وعزلا وتهميشا واضطهادا للشيعة بسبب كونهم شيعة. لم يكن هنالك تمييز في التعليم والوظائف وسواهما من الحقوق والخدمات بين المواطنين على أساس طائفي. اما موقف السلطة من الأحزاب التي أسست على قاعدة العزل الطائفي كما هو حال حزب الدعوة وحزب الاخوان المسلمين فقد كان شيئا آخر، هو جزء من سياسة الدولة ومعتقداتها في حماية المجتمع، بدءا بمؤسساتها.

وكما يبدو فإن المرجعية وهي حبيسة عزلتها لم تكن قادرة على رؤية الحياة كما هي في الواقع. كانت الحياة بالنسبة لها كتبا صفراء متوارثة وكان الدين مجموعة من الحكايات التي تصنف المسلمين في سياق تلك الحكايات مناصرين وأعداء.

لذلك فقد كانت المرجعية وهي مؤسسة مغلقة على نفسها عاجزة عن اصلاح أحوالها. فكيف يمكنها أن تصلح أحوال المسلمين من أتباعها؟

وسط ذلك الظلام ليس من الصعب العثور على الخيوط التي تصل بين تلك المرجعية الدينية وامراء الحرب الطائفية الذين ينادون بقتل السنة باعتبارهم احفاد قتلة الحسين. فالسني بالنسبة لأكثر المراجع الدينية اعتدالا هو الآخر الذي يُشك في أن أبواب الفردوس ستكون مفتوحة أمامه.

حقيقة مؤسفة نتج عنها هذا الجحيم الذي يعيش فيه المعذبون بفتنة المرجعية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>