First Published: 2016-06-05

الفلوجة: يصنعون صحراء ويقولون عنها سلاما

 

داعش سلب من الإعلام قدرته على التنقل في الحصول على المعلومة، والمحاربون لداعش من الميليشيات والإعلام الحكومي، تحول خطابهم إلى هياج طائفي وحماسي فاقد الأهمية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لم يصب الإعلام في العالم بالعجز كما يصاب اليوم تحت وطأة سيطرة داعش! لا أحد يستطيع الوصول إلى هناك، وليس ثمة من يوصل المعلومة إلى هنا.

دقة المعلومة لا تضاهي حياة المراسلين، هذا أمر مفروغ منه، لكن من أين يصنع الإعلام قصته، التداعيات باتت مكررة وتصريحات الهاربين من مدينة الفلوجة المحاصرة متشابهة، لا قيمة لقصة حقيقية عن الفلوجة في وسائل الإعلام اليوم.

بالطبع ستتبادر إلى الذهن طبيعة وأهمية الخطاب الذي يصنعه الإعلام العراقي المحلي حول معركة الفلوجة، وهو أمر لا يستحق العناء الشديد قبل إهماله مع عبارات الشفقة لا التهكم على مضمونه، سواء كان حكوميا أو ممثلا لأحزاب وتيارات حزبية ودينية، إنه وفق التقويم المفرط بالتفاؤل، لا أكثر من صدى للصراخ السياسي والطائفي القائم في البلاد.

لكن أن تلجأ صحيفة مثل صنداي تلغراف إلى مراسليها في بيروت راف سانتشيز وجوزيه إنسور، في إعداد قصة إخبارية عن معركة الفلوجة، أمر يدفع الصحافيين إلى الإقرار بالعجز، فأهمية ما يحدث في الفلوجة من معارك لطرد داعش وتطهير طائفي وتدمير للبنى التحتية والمنازل والمساجد، لا يمكن الإلمام به في قصة صحافية تصنع في مدينة أخرى.

كاتب وصحافي على درجة من الأهمية مثل باتريك كوكبيرن المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، عندما يكتب عن معركة الفلوجة يستعيد التاريخ ليجعل من قصته مشوقة، بينما يدرك أن عودته إلى الماضي تمثل بطريقة أو بأخرى عجزا عن مواكبة الحاضر. وهو أمر في كل الأحوال خارج عن مقدرته ككاتب متقدم في العمر.

يقتبس كوكبيرن في تقريره الأخير بصحيفة إندبندنت أون صاندي من المؤرخ الروماني بوبليوس تاكتيوس ما نقله عن الزعيم القبلي البريطاني غلاغوكس قبل ألفي عام “يصنعون صحراء، ويقولون عنها سلاما”، وهي استعارة مدهشة بلا شك لكنها لا تحمل الأثر في المتلقي مثلما لو كانت من أحد الشهود على الدمار المروع في الفلوجة.

يتحدث غلاغوكس عن الدمار الذي أحدثه الجيش الروماني ضد المتمردين البريطانيين، وتردد صدى الشجب عبر القرون، وتم تطبيقه على العديد من حملات التهدئة.

مثل هذا الكلام مناسب لكوكبيرن في حديثه عما يجري في العراق اليوم، لكن المسافة التاريخية تكاد تتشابه كمعادل افتراضي للمسافة الجغرافية وهو يستشهد بتصريح لمحافظ مدينة كركوك نجم الدين كريم، لأن ما يجري في الفلوجة لا يمكن أن تراه العين في كركوك!

ينقل كوكبيرن عن كريم قوله “أعتقد أنهم سيستعيدون الفلوجة، وسيتم تدمير المدينة أثناء العملية”.

يعود كوكبيرن الذي أنجز أكثر من كتاب عن العراق، إلى الرمادي المدمرة ليرسم مشهدا مستقبليا للفلوجة التي ستدمر، فكل السوابق تنذر بالسوء، فعندما استعادت القوات العراقية مدعومة بالميليشيات الشيعية، مدينة الرمادي، تم تدمير ثلاثة أرباع المدينة، ولا يزال غالبية سكانها مشردين.

لكن لا أحد بعدها أخبرنا أين ذهبت عناصر داعش، فبقيت القصة الصحافية ناقصة إلى اليوم وفقد محللو متابعة التداعيات الحماس لاستذكارها، مع أن منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق ليز غراندي، قالت “الدمار الذي شاهدناه في الرمادي هو أسوأ من أي مكان آخر تمت مشاهدته في العراق”.

الفلوجة قصة ناقصة في الإعلام أسوة بالموصل بعد أن أستحوذت عليها عناصر داعش، وبقيت وسائل الإعلام تبحث في أطرافها عما يمكن التقاطه، كما فعل مراسل “بي بي سي” هذا الأسبوع وهو يوثق لمشاهد التطهير الطائفي في مدينة الكرمة بعد دخول ميليشيات الحشد الشعبي إليها، فأصبحت بلدة أشباح باستثناء عبارات الامتنان والشكر لإيران التي كتبت على المباني والمساجد المحروقة والمحطمة.

لا يمكن بعد ذلك أن نعزو العجز عن متابعة أحداث القتال القائم اليوم من سوريا حتى العراق، إلى التزييف الإعلامي وحده، أو قلة الموارد في إرسال مراسلي وكالات الأنباء والصحف العالمية، ثمة ما هو مرتبط بتهديدات تنظيم داعش، الأمر الذي دفع جيرمي بوين كبير مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط، إلى الإقرار بأن تهديدات داعش تجعل حتى الصحافيين الأكثر ميلا للمغامرة والأكثر جرأة يفكرون بجدية حول ما إذا كان العمل يستحق المخاطرة.

وقال إن “رؤية زملائك وهم يذبحون على يد جماعة سعيدة بذلك تجعل من الصعب القول إنك من أصحاب الخبرة أو أنك حذر للغاية من الدخول في مأزق”.

داعش سلب من الإعلام قدرته على التنقل في الحصول على المعلومة، والمحاربون لداعش من الميليشيات والإعلام الحكومي، تحول خطابهم إلى هياج طائفي وحماسي فاقد الأهمية، فلا ضير بالعودة إلى صحراء التاريخ لنقول عنها سلاما!!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم محمود الحمد الدليمي
الدولة العراق بيتنا \\

الكرباني يسلم عليك ويحن اليك على الرغم من شيخوخته

2016-07-01

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>