First Published: 2016-06-05

ما فقدناه مع سمير قصير

 

من غير سمير قصير كان يستطيع قول كلام حقّ في هذه الايام التي دخلت فيها 'ثورة الارز' في حال تخبط ليس بعده تخبّط؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لم يكن سمير قصير مجرّد رمز لـ"ثورة الارز" التي اعادت الامل الى لبنان واللبنانيين في العام 2005. كان ايضا مرجعا لما يمكن ان يكون عليه الاحرار في في لبنان وسائر دول المنطقة. كان الاخ والزميل سمير قصير نموذجا للعقل المستنير الذي يرفض كل شواذ فضلا عن امتلاكه تلك القدرة، النادرة، على الارتفاع فوق كلّ ما له علاقة بالمادة والمصلحة الشخصية. كان كلّ ما يريده هو العيش بكرامة بفضل قلمه كصحافي فذّ وكاتب ومؤرّخ.

كان يناضل بشجاعة ليست بعدها شجاعة من اجل استعادة اللبناني والسوري والفلسطيني كرامته. لذلك لم يفصل بين "ربيع بيروت" و"ربيع دمشق" ولم ينس في ايّ لحظة فلسطين وما يعاني منه الفلسطينيون ليس بسبب الاحتلال الاسرائيلي فحسب، بل في ظلّ الاضطهاد الذي مارسه النظام السوري في حقّهم كلاجئين ايضا، اكان ذلك في سوريا او في لبنان.

قبل احد عشر عاما باشرت اداة القتل المعروفة، وهي الآلة نفسها التي اغتالت رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005، محاولاتها الهادفة الى تغطية الجريمة الكبرى في حقّ لبنان بسلسلة من الجرائم الاخرى. وكأن في الامكان تغطية جريمة معروف تماما من يقف خلفها بمجموعة من الجرائم تؤدي الى اسكات اللبنانيين ومنعهم من الوصول الى الحقيقة.

قبل اغتيال رفيق الحريري، كانت محاولة اغتيال الوزير السابق والنائب الحالي مروان حماده الذي نجا منها بأعجوبة. كان على رفيق الحريري ان يفهم معنى الرسالة. كان عليه ان يفهم انّه لا يستطيع ان يكون سوى اداة لدى بشّار الاسد ينفّذ له ما يريده. لا يستطيع ان يكون زعيما لبنانيا عابرا للطوائف وللحدود اللبنانية. رفض رفيق الحريري املاءات بشّار الاسد. دفع غاليا ثمن رفضه الاستسلام للنظامين السوري والايراني في وقت كان النظامان في البلدين يستعدان لمرحلة ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق، علما ان ايران كانت شريكا في ذلك الاحتلال.

استوعب سمير قصير معنى اغتيال رفيق الحريري، بل استوعب ذلك اكثر من اللزوم، لكنّه اعتقد ان مجرّد خروج الجيش السوري من لبنان بفضل الدور الذي لعبه شخصيا في مقاومة النظام الامني ـ السوري اللبناني وضباطه اللبنانيين المعروفين وعددهم اربعة، سيكون كافيا لعودة الحرية الى الفضاء اللبناني. لم يخف في العشاء الطويل الذي جمعنا عشية اغتياله، وكان ذلك مساء اول حزيران ـ يونيو 2005، فرحه العظيم بالسفر من مطار بيروت والعودة اليه من دون وجود عيون تراقبه وتحاول التضييق عليه. ظنّ ان المعركة انتهت بمجرّد خروج المحتلّ السوري من لبنان. لم يدرك ان النظام السوري بقي يحلم بالعودة الى وطن الارز. لم يدرك خصوصا ان لدى هذا النظام رغبة كبيرة في الانتقام ليس من سمير قصير وحده، بل من كلّ من يستطيع ان يجسّد روح "ثورة الارز". اكثر من ذلك، لم يدرك سمير قصير ان "حزب الله" استغلّ خروج السوري ليملأ الفراغ الامني والعسكري، ولا حقا السياسي، الذي خلّفه هذا الخروج.

في المقابل، عرف سمير قصير جيّدا ان خروج النظام السوري من بيروت، كان بداية خروجه من دمشق. كم كان على حقّ في كلّ ما قاله وقتذاك، وكم كانت احلامه كبيرة. لم يعطه اولئك الذين كانوا يخافون من احلامه الوقت الكافي ليتأكد من انه كان ذا نظرة ثاقبة للأمور والأحداث. لم يخطئ في تقييمه، لكنه كان يستخف بقدرة النظام السوري وحليفه الايراني على الذهاب بعيدا في تغطية جريمة اغتيال رفيق الحريري عن طريق مزيد من الجرائم. لم تقتصر هذه الجرائم على قتل شخصيات لبنانية عدة بهدف ارهاب اللبنانيين ومنع الوصول الى المحكمة الدولية. قتل جورج حاوي للتأكد من غياب اي شاهد على نيات النظامين السوري والايراني في لبنان. ثم اغتيل جبران تويني بهدف الانتهاء من ازعاج جريدة "النهار" التي كان دائما مطلوبا تهميشها. من محاولة اغتيال مروان حماده، الى قتل سمير قصير وجبران تويني، كان الهدف القضاء على "النهار" كصحيفة لبنانية مستقلة تؤمن بالحرية والسيادة والاستقلال.

كان كلّ اغتيال لشخصية لبنانية عملية مدروسة بدقّة متناهية. كان الهدف الخلاص من لبنان. لا يزال هذا الهدف موجودا. تكمن الخسارة التي يشكلها سمير قصير في انّه كان قادرا في كل ساعة على اطلاق التحذير من خروج "ثورة الارز" عن خطها. لو كان سمير قصير حيّا اليوم، لكان اول ما فعله هو تأكيد ان لا فائدة من ايّ تجاذبات ومهاترات من ايّ نوع بين اقطاب "الرابع عشر من آذار"، خصوصا انّه كان يعي تماما خطورة الدور الذي سيلعبه ميشال عون بمجرّد عودته الى لبنان على دمّ رفيق الحريري وذلك بعد عقده صفقة، في باريس مع النظامين السوري والايراني عبر من يمثّلهما.

كان في استطاعة سمير قصير اعادة تصويب اتجاه البوصلة من دون مواربة. لهذا السبب قتلوه باكرا. عرف كيف يصوب على الضباط الاربعة، الذين كانوا يمثلون الجانب اللبناني في النظام الامني المشترك مع النظام السوري القاتل. كان سمير قصير يعرف الكثير نظرا الى انّه عانى قبل غيره من ملاحقة الامن العام (في عهد جميل السيّد) له ولزوجته المخلصة جيزيل خوري التي لم تتردد لحظة في البقاء وفيّة لسمير قصير ولكل ما يمثّله.

عندما قتلوا سمير قصير، كان الهدف متابعة قتل كلّ القوى الحيّة في المجتمع اللبناني. كان الهدف منع تصحيح اي اخطاء يمكن ان ترتكبها "ثورة الارز". كان مطلوبا ان تنشغل هذه الثورة بأمور تافهة وتفادي اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظة المطلوبة. كانت اهمية سمير قصير تكمن في انّه لم يتردد في اتخاذ القرار الصائب والجريء عندما كان الامر يتطلب ذلك. لم يتردد ولم يتهاون. صار هدفا بحدّ ذاته. كانت الحاجة كبيرة اليه في هذه الايّام. لذلك نفتقده اكثر من اي وقت بعدما استهدفت آلة القتل كل من كان يمكن ان يلعب دورا في منع استباحة الوطن الصغير. من بيار امين الجميّل الى محمد شطح. من وليد عيدو وانطوان غانم الى وسام عيد، الى وسام الحسن. لم يحصل شيء بالصدفة، من حرب صيف العام 2006 الى غزوة بيروت والجبل، مرورا بالاعتصام في وسط بيروت للقضاء على العاصمة بكلّ ما تمثّله.

كانت هناك دائما حملة منظمة على لبنان وصولا الى عزله عن محيطه العربي، وهذا ما تولته حكومة "حزب الله" برئاسة نجيب ميقاتي وذلك بغية نشر البؤس في البلد وتهجير اكبر عدد من الشباب اللبناني. صحيح ان الحملة على لبنان من اجل الوضع اليد عليه، بدأت باغتيال رفيق الحريري، لكنّ الصحيح ايضا ان تأكيد استمرار هذه الحملة كرسه اغتيال سمير قصير. فسمير كان يرمز الى الايمان في بيروت كما كان يرمز الى البعدين السوري والفلسطيني في وجدان كلّ لبناني. لذلك قتلوه، كما لو انّهم مصمّمون على ان لا تقوم للبنان قيامة في اي يوم من الايّام.

من غير سمير قصير كان يستطيع قول كلام حقّ في هذه الايام التي دخلت فيها "ثورة الارز" في حال تخبط ليس بعده تخبّط من منطلق انّه انسان حرّ ليست لديه اي طموحات مادية ومصالح ذات طابع شخصي من ايّ نوع؟ هذا الكلام الصادق والجريء والصريح البعيد عن اي مصلحة بات مفقودا. فقدناه مع رحيل سمير قصير الذي حذّر باكرا من خروج "ثورة الارز" عن مسارها، داعيا الى "انتفاضة من داخل الانتفاضة" والى عدم الاستسلام لليأس، فـ"الاحباط ليس قدرا"، كما يقول صديقي مالك مروه، نقلا عن سمير قصير. كان مالك رفيق تلك السهرة الاخيرة مع سمير قصير، هو وجاد الاخوي، في بيروت رفيق الحريري التي كانت مفعمة بكل الآمال التي صنعتها "ثورة الارز". تلك الثورة التي ارتبطت ارباطا وثيقا بسمير قصير.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>