First Published: 2016-06-05

داعش من غير داعش

 

صرنا ندرك أن ما أدى إلى وقوع كارثة داعش هو سبب أكبر من داعش نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كما لو أن حياة العراقيين والسوريين ستكون وردية حين تنقشع غمامة داعش. هناك مَن يفكر جديا بمرحلة ما بعد داعش مثلما يفعل مهندسو ما بعد الطوفان. وهو ما يعني أن مرحلة داعش كانت قدرا، ما كان في الإمكان تفادي وقوعه.

كلام صحيح لولا أنه يختلط باعتقاد مفاده أن أضرار داعش ستكون ثانوية بطريقة يسهل علاجها بما يساعد المجتمع على استعادة عافيته. وهو اعتقاد ينم عن جهل عميق، لا بما فعله التنظيم الإرهابي بالنفوس حسب، بل وأيضا بالبشر الذين كانوا ضحايا مجتمع يسر لداعش عملية الاستيلاء على مصائرهم.

ربما تكون حقبة ما بعد داعش أسوأ بكثير من حقبة داعش.

لن يكون من السهل بناء الجسور التي تهدمت. العودة إلى أحضان الدولة لن تكون ممكنة، بعد أن تبين أن تلك الدولة لم تكن إلا وهما. هل يمكن للمرء أن يصدق الكذبة مرتين؟

"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

كانت الدولة أو وهمها هو ذلك الجحر.

سيكون من المستحيل تخيل سكان المناطق التي سيتم تحريرها من الاحتلال الداعشي مواطنين أسوياء في وطن أثبت عجزه عن حمايتهم.

أعتذر منذ هذه اللحظة نيابة عنهم بسبب عزوفهم عن القبول بتلك المواطنة التي هي عبارة عن كذبة لم يعد في الإمكان تمريرها.

بالتأكيد كان تنظيم داعش غريبا عن المجتمع الذي وقع فريسة له غير أن الوطن لن يكون أقل كآبة. لقد جرب سكان المناطق التي تمت استعادتها من داعش معنى أن يستعيد المرء مواطنته. وهو معنى مظلم يجعل المرء يشعر بالندم لأنه لم ينضم إلى داعش.

وكما يبدو فإن ضياع القيم الوطنية في ظل حكم الميليشيات هو أكثر خطورة من وباء داعش وسواه من التنظيمات الإرهابية الذي ضرب جزءا عزيزا من عالمنا العربي.

بسبب ذلك الضياع لن يجد المرء الذي ابتلي بداعش بيئة وطنية تحتضنه. لن يجد وطنا يضمه إلى حضنه الدافئ. سيكون عليه أن ينتقل من عدو إلى عدو. وقد يكون العدو الثاني أشد لؤما وخبئا وشراسة وقسوة من العدو الأول.

لن يكون أحد محظوظا بمثل ذلك الوطن.

لا يملك الإنسان أن يفرض كرامته وحريته على بلاد ترسم الميليشيات الفالتة بسلاحها الطائفي خرائطها. وهي خرائط ملغومة يمكن أن تنفجر بمخططيها في أية لحظة.

سيكتشف الناجون من ليل داعش أن الدولة التي اعتقدوا أنها غيبت بسبب الاحتلال الداعشي لن تكون موجودة. بل هي لم تكن موجودة أصلا.

وهو ما يعني أن الفوضى هي السمة الأساسية لمرحلة ما بعد داعش.

ولكن تلك الفوضى في الحالتين السورية والعراقية لن تكون مقصودة لذاتها، فهي وإن حدثت عفويا بسبب غياب الدولة في كلا البلدين فإن مستثمريها جاهزون للعمل على توظيفها خدمة لمصالحهم التي لا تمت بصلة لمصلحة الوطن الغائب.

هناك مَن خطط لأن يكون وارثا لداعش في المناطق التي سيغادرها.

الميليشيات الشيعية في العراق والميليشيات الكردية في سوريا. ولكل طرف منهما مشروعه الاستحواذي إذا لم نقل الانفصالي.

التطهير الطائفي الذي بدأته الميليشيات الشيعية في العراق هو الآن في ذروته أما الأكراد في سوريا فإنهم يقفون اليوم على خط الشروع للبدء بعمليات تطهير عرقي في المناطق التي مزق فيها داعش مفهوم الوطن الواحد.

وهكذا سيكون مَن يظن أن مرحلة داعش هي الأسوأ على خطأ حين تكشف الوقائع أن مرحلة ما بعد داعش ستكون هي الأسوأ.

وهو ما سيجعلنا ندرك أن ما أدى إلى وقوع كارثة داعش هو سبب أكبر من داعش نفسها. فضياع القيم الوطنية لن يصنع إلا تاريخا مظلما، لن يكون ظلام داعش إلا التمرين الأولي الذي مهد له.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
المزيد

 
>>