First Published: 2016-06-07

العراقيون في المركب السكران

 

يحذرنا الصدر: 'الوضع لا يبشر بخير'. مَن لا يعرف ذلك؟!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كان الرئيس الفلسطيني الراحل يرى دون سواه من الفلسطينيين ضوءا في نهاية النفق. مات الرجل مسموما، قبل أن يظهر أي أثر لذلك الضوء. لا يزال النفق مظلما، بل هو اليوم أشد ظلمة مما كان عليه قبل سنوات.

ترك نبوءته المتفائلة للأجيال القادمة ورحل. غالبا ما يكون الزعماء متفائلين. ربما لأن التشاؤم يظهرهم على حقيقتهم كائنات ضعيفة فإنهم يقاومونه بالوهم لكي يكونوا أقوياء دائما. على الأقل أمام شعوبهم التي تقف على الحافات.

وكم هي نادرة المراحل التي لم تقف فيها الشعوب العربية على الحافات.

كان ميشيل عفلق وهو مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي يبدأ خطابه السنوي الذي يلقيه في السابع من نيسان من كل عام مستذكرا يوم تأسيس الحزب بالقول "تمر الأمة العربية بمرحلة هي الأخطر في تاريخها".

لم يغير الرجل جملته عبر سنوات وجوده لاجئا سوريا في العراق لا لأنه استشعر الخطر الكامن في بنية حزبه بل لأنه كان يأمل في أن يكون سباقا في الإشارة إلى الخطر الخارجي الذي يحيق بالأمة.

بالنسبة له كان الحزب هو أمل الأمة في نهوضها وضمانة ذلك النهوض.

مات عفلق وقد ألحق بالمسلمين من غير أن يدري ولا تزال الأمة تواجه الخطر.

على النقيض من الزعيمين يحضر مقتدى الصدر وهو زعيم ديني صنعته الصدفة ليخبرنا أن "الوضع في العراق لا يبشر بخير" جملة تختصر يأسا تاريخيا. وهي لمن يتابع مجريات الوضع العراقي على الأرض نوع من القول البديهي الذي لا يشير إلى ذكاء قائله.

ولكن أن يكون القائل واحدا من المساهمين في صنع حقائق الحياة الراهنة في العراق فذلك مؤشر على أن العراق لم يعد يملك خيارا سوى الاستمرار في سقوطه إلى قاع هاوية سحيقة، لن يتمكن أحد من انتشاله منها.

لا يحذر الصدر أحدا كما كان عفلق يفعل ولا يوصي أحدا بحمل نبوءته كما كان عرفات يفعل، بل يكتفي بتعليق اعترافه على حبل الغسيل العراقي.

"الوضع لا يبشر بخير" مَن لا يعرف ذلك؟!

ما من أحد من المتورطين في صناعة الكارثة العراقية يمكنه أن يزعم أن ديدان الحقل قد أنتجت عسلا.

غير أن العراقيين وهم شعب يخشى من ضحكته ويشك بديمومة سعادته لا يثقون باليائسين. يمكنهم أن يمشوا دهرا وراء مَن يكذب عليهم غير أنهم ينفضون بسرعة من حول مَن يصدقهم القول.

هل هي حال الشعوب الأخرى؟ لا أدري.

هناك أغنية عراقية تقول "امش وراء الذي يبكيك. لا تمشي وراء الذي يضحكك".

وهي حكمة لم تُقل عبثا.

وكما يبدو فإن زعيم التيار الصدري أراد أن يترك وصية للأجيال العراقية القادمة. في الوقت نفسه أراد أن يغسل يديه من مسؤولية ما عُلق على حبل الغسيل العراقي.

ولكن هل قال الرجل جملته لأنه يعرف أن لا أحد ينصت إليه وسط قعقعة سلاح الميليشيات والفوضى التي تعيشها مؤسسات الحكم المتعثرة؟

شيء من هذا القبيل يمكن توقع حدوثه في بلد، لا يملك أحد الدليل القاطع على أن طرفا سياسيا عراقيا بعينه يمسك بيده مفاتيح الحكم. جميع الأطراف تحكم غير أنها في الوقت نفسه لا تحكم. وإلا كيف تأتى لرئيس البرلمان ان يطالب كما لو أنه يتسول بالحفاظ على حياة المدنيين وأموالهم وممتلكاتهم في الفلوجة المنكوبة؟

يخيل إلي حين استمع إلى تصريحات السياسيين العراقيين أنهم يستعيدون في لحظة الهام جماهيري مواقعهم في المعارضة وينسون أنهم يتربعون على كراسي السلطة منذ زمن طويل.

"الوضع لا يبشر بخير" قالها مقتدى الصدر عابثا وهو يعرف أن لا أحد يملك سلطة سؤاله "ألم تكن واحدا من صناع المركب السكران الذي يقل العراقيين إلى الجحيم؟"

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الصلاة مناسبة للعبادة وليست تظاهرة سياسية
2017-11-22
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
المزيد

 
>>