First Published: 2016-06-09

القضية أكبر من تسريب الامتحانات في مصر

 

تسريب الامتحانات جزء من قضية اخفاقات التعليم في مصر. حان أوان الحل الأكثر شمولا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الانتفاضة الشكلية التي قامت بها وزارة التربية والتعليم المصرية جاءت لتأكيد أنها قامت باتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع كارثة التسريب، بينما أي مراقب منصف للمشهد التعليمي، وأي متابع حصيف للمشهد السياسي توقع أن تكون العاصفة أشد وطأة العام الجاري، في ظل الترهل الذي يسير فيه النظام التعليمي، والتربص الذي يحيط بالحكومة.

التسريب ظاهرة قديمة، وتكررت على مدار العقود الماضية، بصور متنوعة، وقبل أن تخترع التكنولوجيا الحديثة، التي سهلت الكثير من عملية التسريب، وضاعفت من انتشارها، خاصة في المرحلة الثانوية، التي لا تزال تعتبر عنق الزجاجة في مصر، لأن المجموع الكلي يتحكم في مستقبل الطالب أو الطالبة، بصرف النظر عن القدرات والمهارات الحقيقية.

كثيرون تحدثوا عن طرق التسريب المبتكرة، بدءا من "شاومنج" الذي قيل أنه يقيم معسكره في تركيا، وحتى مافيا الامتحانات التي أنشأت صفحات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن المسألة تتجاوز الدخول في هذه النوعية من المزايدات والمهاترات التي أصبح البعض يتلذذ بالعزف على أوتارها، ويتعمد نسج الخرافات حولها، عن جهل أو عمد، وكأننا أمام لهو خفي، لا تستطيع الأجهزة الأمنية بامكانياتها الجبارة التصدي له، تكنولوجيا أو بشريا.

القضية أكبر من الغش في الامتحانات، وتمس عصب أهم المجالات حيوية وهو التعليم، وتتعلق بهيبة الدولة وسمعة النظام الحاكم، فإذا كانت العملية التعليمية أصابها العوار بهذه الطريقة، كيف ننتظر مستقبلا واعدا؟ وإذا كانت الحكومة فشلت في توفير الأمن اللازم للامتحانات، هل يمكن تصديقها عندما تتحدث عن نجاحات كبيرة في دحر الإرهاب في سيناء؟

المقصود من التضخيم في تسريب الامتحانات، هز الثقة في العلاقة بين مؤسسات الدولة والشعب. طبعا لا أقلل من حدوث التسريبات أو خطورتها، لكن لا بد من التوقف عند المعاني السياسية التي تحملها، خاصة أنها ليست جديدة، غير أن التركيز عليها والاهتمام بها منحاها وزنا كبيرا عند الرأي العام، داخل مصر وخارجها، ونقلت صورة تعزز انطباعات سابقة، بأن الفساد لم يترك شيئا إلا وأصابه في مقتل، وأن الحكومة تقف عاجزة عن مقاومته، وهو ما يمكن أن يدفع قطاع من الشباب للتظاهر ضدها.

الكتلة الحرجة الكبيرة من الشباب الذي يؤدي امتحانات الثانوية العامة فتحت أعينها على ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وظهرت معهما نواة لوعي سياسي احتجاجي، قد يكون من السهولة توظيفه في عملية التسريبات، ودفع الشباب للتظاهر، وهو اتجاه يتماشى مع أحداث جرى تسخينها عنوة ولي أعناق الحقائق المتعلقة بها، للوصول للهدف ذاته، فقد أصبح كل تطور أو فعل سياسي عرضة لأن يكون مطية لتأليب المواطنين على الحكومة، وتحريضهم على الاحتجاج ومحاولة الانتقام من النظام الذي تعمل في كنفه.

المشكلة أن التسريبات في جميع حالاتها تخل بأحد معايير العدالة والمساواة والشفافية والتحضر، وتؤدي إلى تفوق من لا يستحقون، وفي هذه الحالة تكون الخسارة مزدوجة، حيث يتم تزويد المجتمع بنماذج وفئات مشوهة تعوق تقدم المجتمع مستقبلا، وتقتل في الوقت نفسه فكرة الاجتهاد والطموح عند آخرين، وفي الحالتين تتحمل الدولة تكاليف باهظة، أبرزها توسيع رقعة الفساد، وزيادة نسبة الاحباط، وتصاعد وتيرة الاحتجاجات، أملا في تخريب الطرق التي يتم تعبيدها لتوفير بيئة مناسبة للإصلاح.

الإشارة إلى التوظيف السياسي لتسريب الامتحانات لا تعني تبريرها والقبول بها، والتعامل معها كأمر واقع، بل تؤكد أن القضية كبيرة وتستوجب المزيد من الاهتمام والبحث عن أدوات لبترها تماما، لأنها تكاد تكون متكررة في مجالات مختلفة، وأساليب متباينة، وربما يمثل التعليم أحد أهم ظواهرها الفاضحة، لأن التخريب الذي أصابه يتجاوز حدود الخلل الحاصل في الامتحانات، ويصل إلى درجة الهدم في جميع مراحل العملية التعليمية، من الابتدائي وحتى النظام المعمول به للترقيات في الجامعات.

المؤكد أن وزارة التربية والتعليم سوف تتجاوز "الشوشرة" الراهنة بطريقة المسكنات، سواء بإعادة امتحانات بعض المواد التي تعرضت للاختراق، أو تقديم عدد من المسؤولين "كبش فداء" لتبرئة ساحتها وتعود إلى جدول أعمالها التقليدي، وينسى الناس الضجة التي أثيرت، كما جرى العام الماضي وما قبله، ويبقى عالقا في أذهان كثيرين أن الحكومة الحالية عجزت عن تأمين الامتحانات، وهو ما يؤثر على مصداقيتها في التعامل مع قضايا أخرى تمس حياة الناس مباشرة.

لذلك من الضروري أن يتم اتخاذ إجراءات حاسمة لإصلاح المنظومة التعليمية برمتها، حيث مضى وقت طويل تم فيه الحديث عن إصلاحات هيكلية، وسمعنا ضجيجا وصخبا عن استيراد نماذج جاهزة من دول عدة، للاقتداء بها في إحداث طفرة تعليمية، ولم نر حتى الآن طحينا أو كرامات تؤكد أن العجلة بدأت فعلا في الدوران، وأن هناك نظاما تعليميا واعدا يصلح ما أفسده السابقون، بسبب الجهل والتخبط والارتباك وعدم وضوح السياسات، ويتم التعامل مع التعليم بحسبانه قضية إستراتيجية تتعلق بصميم الأمن القومي للبلاد، لا تقل خطورة عن مكافحة الإرهاب وتشييد المشروعات الكبرى.

أول، وربما أهم، الخطوات أن تكون هناك رؤية متكاملة نابعة من مصر، تنفذها جهات على درجة عالية من الكفاءة والنزاهة والادراك بعظم المسؤولية، تسير بالتوازي مع الطموحات والأمنيات التي ظهرت تجلياتها في مشروعات قومية أخرى، فلا يعقل أن يتأخر تدشين خطة تطوير التعليم أكثر من ذلك، لأن إصلاح هذا المجال مؤشر حقيقي على إصلاحات كثيرة، والعكس صحيح، فلن تقوم قائمة لمصر، مهما تزايد عدد المشروعات، وتناثرت في ربوعها، دون أن تملك نظاما تعليميا متطورا، وتنتهي ظاهرة العقم الذي تعيش في كنفه منذ عقود طويلة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>