First Published: 2016-06-09

ليس لنا وطن

 

وحده الطاغية يعرف أين يقع الوطن. ولهذا غالبا ما يكون الطغاة وطنيين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

"أخون وطني" هو عنوان أحد كتب الشاعر السوري محمد الماغوط.

من المؤكد أن الكثيرين قد أنبروا لتأثيم الرجل. فلا يحق للمرء أن يخون وطنه وشعارهم في ذلك "بلادي وإن جارت علي عزيزة" وأترك الشطر الثاني من البيت سائبا لأنه يتعلق بالمسافة بين يخل الأهل وكرمهم.

لا أريد هنا أن أحنو على الماغوط من جهة الإشفاق أو أحرض عليه من جهة الإنكار. فالرجل كان يعي ما يقول مدركا فداحة ذلك القول وعظم الجرم الذي ينطوي عليه. ولكن عذره في ما قاله أن وطنه لم يكن موجودا لكي يخونه.

الماغوط سوري. هذا مؤكد ولكن هل كانت سوريا في زمانه وطنا؟

"أيخون إنسان بلاده؟" تساءل السياب قبل أكثر من نصف قرن وكان يقصد وطنه.

ما فعله عراقيون بعد أكثر من نصف قرن من قصيدة السياب أنهم خانوا شعبهم وخذلوا أهلهم وصفعوا بعار الخيانة وجوه العراقيين. في الوقت الذي ظلت أوطانهم البديلة سالمة من كل خدش أخلاقي.

حين احتل البريطانيون العراق لم يحكموه إلا فترة قصيرة، بعدها جلبوا ملكا عربيا من الحجاز ليحكمه، تلبية لمطلب النخب العراقية. اليوم يحكم العراق بريطانيون، كان من الممكن أن يكونوا مواطنين عراقيين لو أن العراق كان وطنا.

ولأن الوطن يخلق مواطنين فإن أحدا منا لم يبلغ حدود المواطنية السوية.

نحن لم نبلغ سن الرشد الوطني بعد. تلك مشكلتنا التي لم نصنعها بأيدينا، غير أننا لم نساهم في حلها بطريقة جادة، لا لشيء إلا لأننا لا نرغب في ذلك ما دامت هناك حلول بديلة.

لو كانت هناك أوطان لظهر اللاجئون بإعتبارهم ممثلين هزليين.

تخيلوا مشهد مواطن كندي أو اماراتي أو استرالي وهو يتقدم لطلب اللجوء إلى دائرة الهجرة في إحدى الدول الأوروبية؟

سيغرق الموظف الأوروبي في الضحك قبل أن يدعوه لشرب فنجان قهوة ويودعه شاكرا له ظرفه وحس دعابته.

لقد ارتضى الكثيرون منا أن يقيموا في بلاد لم تكن في حقيقتها وطنا، مسوغين الأمر بطريقة عاطفية لا تخلو من الرثاثة. هل كان الأمل يحثنا على انتظار ولادة وطن، حتى وإن حضر ناقصا؟ ولكننا كنا نكذب على الأمل حين استعملناه في المكان الخطأ.

الأمل هو الآخر له شروطه ومقوماته.

لم يحضر الوطن. ما من شيء يوحي بأنه سيحضر يوما ما. لم يره آباؤنا ولن يراه أبناؤنا. سيبقى حاضرا في الأناشيد وحدها. هل نلومه لأنه خذلنا حين حرمنا من فرصة أن نخونه؟ ولكن كيف نصل إليه وقد سكن في رؤوس طغاتنا؟

وحده الطاغية يعرف أين يقع الوطن. ولهذا غالبا ما يكون الطغاة وطنيين.

أما حين يموت الطاغية العربي فإنه يأخذ حلم الوطن معه إلى القبر. لذلك يتأسى الكثيرون منا لأنهم فقدوا القدرة على أن يحلموا بوطن يضم أشلاءهم.

ما فاتنا هو جزء من ضلالتنا التي اخنزلت فكرة تجريدية مثل الوطن في ذرة تراب. فصرنا نرنو إلى الخرائط ونحن نردد تحت الشمس اللاهبة "موطني. موطني" ولم نشعر أن الكلمات كانت تبكي. لم نتساءل "لمن تعود ياء التملك تلك؟"

بدلا من ذرة التراب صار الوطن بالنسبة لكثيرين مجرد كلمة.

كئيب ومقلق وغريب ومستفز ودامع وهستيري ذلك المعنى الذي تنطوي عليه تلك الكلمة التي صارت بالنسبة لنا عنوانا للعودة إلى الماضي. اما حين اكتشفنا أن ذلك الماضي كان افتراضيا وأن شيئا من الوطن لم يكن له ذكر في الواقع فإن ذلك الاكتشاف لم يعد نافعا بعد أن خسرنا أعمارنا ونحن نطارد وهما.

"ليس لنا وطن لنخونه" اعتراف متأخر بالفشل.

 

فاروق يوسف

الاسم المهاجر
الدولة المهجر

مقال أكثر من رائع .. تلك هي الحقيقة .. \'بدلاً من ذرة التراب صار الوطن بالنسبة لكثيرين مجرد كلمة \'.. شكراً أستاذ فاروق.

2016-06-09

الاسم المهاجر
الدولة المهجر

مقال أكثر من رائع .. تلك هي الحقيقة .. \'بدلاً من ذرة التراب صار الوطن بالنسبة لكثيرين مجرد كلمة \'.. شكراً أستاذ فاروق.

2016-06-09

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>