First Published: 2016-06-14

هل العرب مصابون بالكآبة حقا

 

الكآبة مرض مستحدث في العالم العربي وعدد المدعين بالإصابة به يفوق مرات عديدة المصابين به حقا، لسبب اجتماعي بسيط مرتبط بعلاقة الإنسان العربي بذاته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ليست الكآبة مرضا وهميا، لكن مزاعم الإصابة به تحولت إلى نوع من التهرب من التزام المرء أمام نفسه، ثمة أرقام طبية هائلة تتحدث عن المصابين، وتخشى من إقدام بعضهم على الانتحار، وهذا أقصى ما يستطيع أن يقدمه الطب، لأن مثل هذا المرض الذي يشخص بطريقة شفوية وليست سريرية، هو في حقيقة الأمر ليس من الأمراض التاريخية، هو مرض مستحدث على الإنسان ويمت بصلة إلى القلق والضغط والخوف من المجهول.

عندما يزعم الواحد منا ببساطة أنه كئيب بسبب خسارة فريقه المفضل بكرة القدم، هذا لا يعني أنه مصاب بمثل هذا المرض، وإن بقي يتذمر طوال الليل كله.

صارت مزاعم الكآبة ترتفع عند بعضهم إلى الأنوف لمجرد أن حبل الغسيل انقطع في حديقة المنزل! والحق أن ثمة قطيعة بين الإنسان وذاته في تحميل الحظ والظروف والفشل وتحويلها بعد ذلك إلى كآبة.

الإنسان لا يصاب بالكآبة المفترضة عندما يتحاور بصدق مع نفسه ويحمّلها الأخطاء ولا يضع اللوم على الحظ والآخرين.

الكآبة مرض مستحدث في العالم العربي وعدد المدعين بالإصابة به يفوق مرات عديدة المصابين به حقا، لسبب اجتماعي بسيط مرتبط بعلاقة الإنسان العربي بذاته.

قبل عقود قليلة لم يكن أحد يتحدث عن مثل هذا المرض أو يدعي الشعور به، حتى بعد ترجمة رواية فرانز كافكا “المسخ”، إنه شعور مستحدث ومغر على التحدث به لدى البعض.

كان رجل بصري إبان عقد الثمانينات من القرن الماضي يعبر لي عن استغرابه من مزاعم الكثير من الناس آنذاك بالشعور بالكآبة، قال إن غالبيتهم يفتعلون مثل هذا الشعور تحت وطأة إغراء الكلمة ليس إلا، لأنهم سمعوا بها حديثا! مع أن سكان البصرة عرفوا الكلمة عند الجنود الهنود مع دخول القوات البريطانية بداية القرن الماضي.

دعوني أدافع عما أقوله بمثالين يحيطان بي، فجارتي السبعينية تعيش لوحدها منذ وفاة زوجها ونادرا ما يزورها أولادها، لكنها دائمة الحركة والنشاط تحتفي بأبسط المسرات من قراءة الصحيفة إلى الاستماع للراديو وحتى الخروج للمشاركة في حفل عام والتسوق، إنها وحيدة لكنها ليست كئيبة وفي لندن المدينة التي يزعم أطباؤها أنها مرتع للكآبة!

أما جارتي المقابلة لها فهي سبعينية ووحيدة أيضا لأنني منذ عشرة أعوام أجاورها ولم أر معها كائنا آخر، كما لم أرها تتحدث مع أي من الجيران ولا حتى تبادر بالتحية، غالبا ما ترتب الحديقة الصغيرة مقابل منزلها، وأكثر ما تفعله تقود سيارتها الصغيرة للتسوق وتعود، لكن مجرد تأمل طريقة اعتنائها بالزهور والأشجار الصغيرة، لا يمكن الاعتقاد بأنها كئيبة وإن لم أرها منذ عشرة أعوام تطلق التحية على كائن في حينا الصغير!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>