First Published: 2016-06-16

سبعة محاور عن داعش

 

ترك الغرب ظاهرة التطرف تنمو على أرضه ليصدرها إلى سوريا والعراق، ثم يجدها ترتد عليه بقوة وقسوة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الحديث عن الدور الغربي في تضخيم ظاهرة تنظيم داعش الإرهابي حظي باهتمام جهات كثيرة، بعضها أكد المعلومات التي جرى تداولها حول هذه المسألة، والبعض الآخر كذبها واعتبرها تنصلا من المسؤولية العربية عن انتشار هذا الأخطبوط.

أنا من الفريق الذي يحمل جهات غربية كثيرة تنامي الظاهرة، وقد حضرت مؤخرا مؤتمرا في المنامة نظمه مركز البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية والطاقة، عن التحولات الجيو سياسية في الفضاء العالمي، كان حافلا بشخصيات غربية عدة، غالبيتهم دللوا على حجم التواطؤ الغربي، بل كشفوا بالمعلومات حركة البشر ورؤوس الأموال من بعض الدول الأوروبية إلى كل من سوريا والعراق.

الجهد الذي بذله كل من الدكتور خالد الفضالة والدكتور خالد الرويحي وفريق العمل بمركز البحرين، تتجاوز أهميته دعوة نخبة عربية وغربية منتقاة لحضور المؤتمر، حيث حفلت الجلسات بمناقشات قيمة، ساهمت في إضفاء حيوية مضاعفة على أجواء المؤتمر الإستراتيجي الثاني، لأنها تطرقت إلى قضايا تمس صميم الأمن القومي العربي، وكان ملف داعش وملابساته في مقدمة القضايا التي سلطت عليها الأضواء بقدر من الاستفاضة.

لأن الملف متشعب ويأتي في مقدمة الهموم التي تشغل بال الكثير من المواطنين العرب، ألخص ما دار حول داعش في سبعة محاور رئيسية، قد تساعد في كشف بعض الحقائق الغائبة.

الأول، ظاهرة التطرف وتتمثل في الأعمال الإجرامية التي يقوم بها تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا وليبيا، كانت واضحة ومعروفة لكثير من الدول الغربية، وآلاف الأوروبيين الذين انخرطوا في صفوف التنظيمات المتشددة عموما، انضموا إليها احتجاجا على الظلم الاجتماعي الواقع عليهم من حكومات غربية، التي التزمت الصمت ولم تتخذ خطوات جادة لرفع الظلم عن هؤلاء وملايين غيرهم ولدوا وتربوا في بلدان أوروبية، وأغمضت عينها على عمليات الخروج المنظم، أملا في التخلص من المتشددين الحاليين والمحتملين.

الثاني، الكلام عن وجود آلاف من الأوروبيين في صفوف داعش، يبدو عاديا، لكن عندما تشير السيناتور نتالي جوليت رئيس لجنة الشئون الخارجية وقوة الدفاع بمجلس الشيوخ الفرنسي إلى أن هناك عشرة آلاف فرنسي انضموا إلى صفوف داعش وذهبوا للقتال في سوريا، تعتبر القضية في منتهى الخطورة.

وعندما تشير نتالي، التي رأست لجنة التطرف والجهاد، إلى أن 4 بالمئة من هؤلاء كانوا مسيحيين واعتنقوا الإسلام، تبدو اليقظة الغربية حاليا للتصدي لداعش مفهومة ومبررة، فقد تحول المتشددون إلى غول يهدد أوروبا في عقر دارها، وأن سياسة الليونة التي كانت متبعة من قبل لم تعد مجدية.

الثالث، تدني التكلفة المادية للعمليات الإرهابية، فالعملية التي استهدفت مقر جريدة شارل ايبدو العام الماضي مثلا لم تتجاوز تكلفتها 5 آلاف دولار، كما أن حصيلة العمليات التي وقعت في أماكن مختلفة خلال العام 2015 لم تتجاوز 7 ملايين يورو. هذه النوعية من الأرقام، على الرغم من عدم ضخامتها، غير أنها تفرض التعاون والتنسيق لقطع الدعم المادي والمعنوي عن التنظيمات المتشددة، وتتبع الجهات التي تتولى تقديم التمويل بجميع أشكاله، ووقف عمليات غسيل الأموال التي تتم عبر قنوات أوروبية، تحت سمع وبصر بعض الحكومات، وتغض الطرف عنها لأهداف سياسية ودواعٍ أمنية.

الرابع، انكشاف الدور الخطير الذي تلعبه الكثير من الجمعيات الخيرية، تحت ستار نشاط المجتمع المدني في بعض الدول الغربية، بالتالي من الضروري تجفيف منابع هذه الدوائر التي أصبحت أحد روافد التغذية الرئيسية للحركات المتشددة، مستفيدة من الأجواء التي وفرت لها مناخا يسمح بحرية الحركة، في حين يقوم بعضها بتربية عناصر تميل إلى التطرف ورفض ثقافة الغرب، ما يستوجب المزيد من إحكام الرقابة الدقيقة عليها، خاصة خط سير الأموال منها وإليها.

الخامس، العناصر المتطرفة لا تزال تتخذ من القضية الفلسطينية تكئة لمهاجمة الغرب، وشن علميات تستهدف مصالحه، بحسبانه يدعم ويرعى إسرائيل على طول الخط، ومن الواجب التفكير في تسوية سياسية مناسبة، تنزع هذه الورقة من أيدي متشددين، نجحوا الفترة الماضية في تجنيد عناصر كثيرة تتبنى أفكارهم، بذريعة أن بعض القيادات العربية غير عابئة بهذه القضية.

أهمية التسوية ليس فقط لنزع هذه الحجة الرمزية من أيدي التنظيمات المتشددة، لكن لفتح أفق إيجابي أمام القيادات السياسية المعتدلة في المنطقة، فالأولى لم تضع القضية الفلسطينية ضمن أجندتها العملية، لكن نجحت في توظيفها، واتخاذها مدخلا للنيل من مصالح دول غربية، من ثم فالعزف على وتر التسوية، والإيحاء أن هناك عملية جارية، ربما يخفف الضغوط التي تتعرض لها دول متعددة، ويحرم متطرفين من المتاجرة بهذه القضية.

السادس، الدول العربية والغرب عموما في قارب واحد، والنظرة الأحادية لمواجهة الإرهاب لم تعد صالحة، ومحاولات التفرقة بين التنظيمات الإرهابية فقدت بريقها، ويجب أن يكون هناك تصنيف مشترك للإرهاب وطرق مكافحته، بعيدا عن أي حسابات ومصالح كانت ترمي إليها بعض القوى الكبرى، فالنظرة الشاملة هي المدخل الحقيقي للقضاء عليه، لأن الانتقائية ساعدت على تضخم وانتشار العمليات الإرهابية في دول حسبت أنها بعيدة عنها.

السابع، الاستعداد لتشكل نظام إقليمي جديد لا تهيمن عليه قوى بعينها، فالمنطقة تشهد صراعات محتدمة، بين دول ترى أنها أحق بقيادة المنطقة من غيرها، بينما التطورات تشي بأن النظام الذي لم تتشكل معالمه النهائية بعد، سوف يميل إلى تبني فكرة نظام إقليمي متنوع القوى، الأمر الذي يتطلب وقف الحرب الدائرة على النفوذ، التي يبدو الصراع المذهبي أحد ملامحها في الوقت الحالي.

الأفكار التي حملها المؤتمر الثاني لمركز البحرين تضاعف أهمية هذه النوعية من المراكز البحثية في تقديم التحليلات المتطورة، والتي أصبحنا نفتقر إليها، بعد أن أصاب الخمول الكثير من المراكز الإستراتيجية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>