First Published: 2016-06-16

لا حرصا على الدين بل أملاً في الحكم

 

ننظر بوقار إلى التاريخ. لكن هذا التاريخ إما لا يعبر عن الحقيقة الكاملة أو اننا نقرأه بعين عقائدية متحيزة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل هناك ما يستوجب قيام حروب أهلية في البلد (المدينة والحي) الواحد بسبب الاختلاف في الدين أو المذهب؟

صار من اليسير اليوم في العالم العربي الانحراف بالصراعات السياسية من سياقها الذي يتمحور حول فكرة الحكم إلى سياق مختلف، تكون فيه العقائد هي المركب الخشن الذي يخترق عباب التاريخ ليصل إلى وقتنا الحاضر.

يجيد الطائفيون توظيف التاريخ بما يجعله نوعا من المؤامرة والدسيسة المبيتة.

يشوه الطائفيون التاريخ بكل صفحاته من أجل أن يكون تلغيم الحاضر مقبولا.

غير أن المشكلة تكمن في أن ما يعتبره الطائفيون حجة ضد الآخرين هو بالقوة نفسها حجة ضدهم. فما من أحد يملك الحق في أن يكون وريثا لوقائع صارت ملكا للتاريخ. كما أن التصفيات التاريخية لا يمكن أن تكون حكرا على فريق دون سواه.

لذلك صار النظر إلى التاريخ يتسم بالكثير من الوقار في حالة إعادة قراءته. وهي إعادة ينبغي ألا تخضع لضغوطات أو مباضع عقائدية. وهو شرط أساس من أجل ألا تفقد تلك الإعادة طابعها الإنساني.

ما لم يفهمه الطائفيون في عالمنا أن التاريخ ليس ملكهم. لا لأنهم لم يصنعوه ولم يكونوا مسؤولين عما جرى فيه حسب، بل وأيضا لأنهم لا ينتسبون إلى الظروف التي صنعته. إنهم يعيشون في زمن يكاد يكون منقطعا عن الماضي تماما. وهو أمر طبيعي.

أما أن يكون البعض قد قرر أن يعيش في الماضي فذلك شأنه الذي لا يلزم به أحدا. كان شعار العصور الوسطى الأوروبية هو العودة إلى سنوات المسيحية الأولى وهو ما قاد إلى سلطة محاكم التفتيش.

يكرر المسلمون اليوم الخطأ الذي ارتكبه مسيحيو أوروبا العصور الوسطى.

اليوم هناك محاكم تفتيش في العالم العربي وإن اتخذت أشكالا مختلفة.

يحارب الطائفيون، بعضهم البعض الآخر من أجل أن يصلوا بالمجتمعات إلى مرحلة الإقرار بحق محاكم التفتيش في أن تقوم بعملها براحة.

إنهم يعيدون تركيب التاريخ بعد تقطيع أوصاله ليكون الخشبة التي تنقل المجتمعات إلى هلاكها. هناك حيث يقع الجحيم الأرضي الذي صارت الملايين تصلى بنيرانه.

وكما يبدو فإن الطائفيين بالرغم من اختلافاتهم العقائدية فإنهم يجمعون على أن تكون النتائج واحدة. هناك شعوب ينبغي أن تدفع ثمن أخطاء وقعت في الماضي البعيد.

وإذا ما أردت أن ألقي نظرة مركزة على واقعنا يمكنني القول "إن هناك مَن لا يزال يقيم في سقيفة بني ساعدة ويركض مذعورا لينشر أخبار واقعة الطف ويتلمس طريقه إلى غدير خم".

أهي مراجعة للتاريخ أم هو جنوح إلى استثمار ما أنطوى عليه الماضي من عدوانية مصدرها لحظات تصادم، كان السعي إلى السلطة هدفها الوحيد؟

لا يتوخى الخطاب الطائفي الوصول إلى الحقيقة من خلال المراجعة.

هدف ذلك الخطاب انما يركز على الحاق الحاضر بالماضي انطلاقا من اعتبارهما لحظة واحدة. التاريخ المؤكد بالنسبة لأصحاب ذلك الخطاب هو ما وقع في الماضي وحده.

لقد توقف التاريخ الإسلامي في تلك السقيفة التي قد تكون مجرد حكاية.

وهو ما يفسر سرقة تمثال رأس ابي جعفر المنصور في الأيام الأولى للاحتلال الأميركي لعاصمة الرشيد. كان ذلك التمثال رمزا لحضارة العرب في عصر بني العباس، وهو عصر ما كان له أن يقوم بالنسبة للطائفيين لولا ما حدث في تلك السقيفة من تزوير.

وكما أعتقد أن الطائفيين الذي يؤثرون الماضي على الحاضر لا يفعلون ذلك رغبة منهم في الدفاع عن قضايا عادلة، بل هي محاولة لاستضعاف عاطفة الناس البسطاء من أجل أن يصلوا إلى هدفهم وهو الاستيلاء على الحكم.

"لا حرصا على الدين بل أملا في الحكم" هذا هو بالضبط شعار الطائفيين في حروبهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>