First Published: 2016-06-19

متى نسبغ المثالية على إعلام صناعة الطعام

 

إن نجحت التلفزيونات في إعادة علاقة الإنسان بطعامه، فإنها قد صنعت أكبر تأثير لها وفق مفهوم صناعة الخطاب، وبوصفها أداة فاعلة في صناعة الرأي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كم تبدو حاجتنا ملحة إلى النظر إلى الطعام بالطريقة المثالية التي يسبغها اليابانيون على الشاي، إنهم لا يثيرون عاصفة في قدح شاي، بقدر ما كانت العزة التي عاشوها سببا لتأمل الذات وسبر أغوارها، لذلك كان مطبخهم وأدبهم عرضة للتأثر بعالم الشاي وفق أوكاكورا كاكوزو في “كتاب الشاي” الفذ وبامتياز.

نفتقد مثل هذا الإحساس بطعامنا على الأقل في وسائل الإعلام، والبرامج التلفزيونية التي نصنعها للاحتفاء ببقائنا البيولوجي.

أشعر بالخيبة عندما ترغمني زوجتي على مشاهدة مقطع فيديو من تلفزيوناتنا العربية المحترفة في صناعة الوصفات، كذلك ما يُحمّله الهواة على يوتيوب، أنهم يكتفون بالوصفات وطريقة خلطها، وتغيب عنهم تماما فلسفة الطعام، وكأن المحافظة على الانسجام بين مختلف الوحدات وحدها كافية لصناعة إعلام تلفزيوني للوصفات.

أرى أن إعلام الطعام أعمق بكثير من فخ المباشرة الذي تسقط فيه وسائل الإعلام العربية، زوايا العدسة يجب أن تتخذ دور صانع الحكمة وهي تقدم الوصفة، لأنها مطالبة بأن تُشعر المشاهد بفلسفة خلط النكهات عندما تعرض لطبيعة الوصفة.

لا أجد سببا لتخلف وسائل الإعلام العربية عن اكتشاف الحس الغائب للطعام في برامجها، والاكتفاء بكوميديا المَشاهد وإعداد وجبات تقليدية بمواصفات صارمة، غير التنازل عن فهم دلالة الطعام في حياة الإنسان وطرق إعداده.

في العالم المشوش على وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، الطبخ يتميز ويجذب جماهير كبيرة. وصناعة الوصفات ليست جديدة، لكن وسائل الإعلام المعاصرة التقطت الفكرة وأعادت طريقة صناعتها ملبية نداء داخليا لدى ذائقة وبصيرة الجمهور، وهو ما دفع ديفيد غرانت، من شركة لصناعة المحتوى الرقمي تستهدف النساء إلى القول “إنه بعد جديد للطعام لقد فهم بعض الناشرين أن الأمر لا يتعلق فقط بالرغبة في معرفة الوصفة”.

ويفسر غرانت في تصريح لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، تعلق الجمهور بالطعام بكون صناعته على الشاشات تجعل الناس سعداء.

مشاهير الطهاة توجهوا إلى ما هو أبعد من كتب الطهي والتلفزيون، لتقديم وصفاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي للتقرب أكثر من الجمهور الشغوف.

لقد شوهدت الفيديوهات المتعلقة بالطعام على يوتيوب وفيسبوك، 23 مليار مرة في عام 2015، حسب دراسة لشركة “توبولار لابز” للأبحاث.

وعلى سبيل المثال يحتفظ موقع الطبخ في صحيفة نيويورك تايمز بـ17 ألف وصفة، يجتذب من سبعة إلى ثمانية ملايين مستخدم شهريا، ومليون متابع على موقع تويتر.

ويعزو سام سيفتون، المحرر المؤسس للموقع، نجاح قطاع الطبخ في الصحيفة، إلى أنه “يقدم حجة قوية لإعادة تصور صحافة نيويورك تايمز وتحويلها إلى تجربة رقمية”.

ولهذا السبب يمكن تفهم تراجع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن قرارها بإزالة الوصفات من موقعها الإلكتروني، كجزء من خطوة لتوفير تكاليف تقدر بـ15 مليون جنيه سنويا، وبعد أن وقع أكثر من مئة ألف شخص على عريضة احتجاجا على خطة الهيئة بإزالة الوصفات.

ليس الأمر متعلقا بالتسلية التي تقدمها مثل هذه البرامج والمقاطع الفيديوية، كما تعتقد إزميه هوغارد ويليامز، نائبة الرئيس لتسويق العلامات التجارية في Allrecipes.com، فالبرامج تمس وترا في علاقة الإنسان بما يأكل، الغالبية من الناس تعرف وضع المقادير وشواء الدجاج، ولن يخرجها من الملل تقديم الفكرة كما هي أمام عدسة ثابتة.

الأمر أعمق من ذلك، فالدرس البصري للبرامج التي نجحت في الوصول إلى أعماق المشاهد وليس إلى معدته، يكمن في تحويل ما هو تقليد يومي مكرر إلى حس يحمل أبعادا مثالية.

نشرت إحدى الشركات مؤخرا فيديو على فيسبوك يظهر طريقة إعداد وجبة خفيفة من بسكويت الشوكولاتة، وبعد أربع ساعات، عن انتهاء عرضها، اكتشفت الشركة أن الفيديو جذب ثمانية ملايين مشاهدة.

هل أولئك الثمانية ملايين لا يعرفون البسكويت بالشوكولاتة؟ أم ثمة ما هو أكثر من ذلك قدمه ذلك الفيلم القصير؟

إن نجحت التلفزيونات في إعادة علاقة الإنسان بطعامه، فإنها قد صنعت أكبر تأثير لها وفق مفهوم صناعة الخطاب، وبوصفها أداة فاعلة في صناعة الرأي.

لا يمكن لعدسة تصوير برامج الطعام أن تكون ثابتة ولا محايدة، إنها منحازة إلى الحد الذي تُحسس المشاهد بالنكهات وبجمالية الطعام باحتفاء يجعل العين تنبهر من دون أن تفقد الصلة بالأفكار، بينما نثيث المعدنوس وقطع الزنجبيل تتساقط على الصحون كقطرات المطر.

العدسة في برامج صناعة الطعام منحازة إلى عين المشاهد وذائقته إلى الحد الذي تجعلنا لا نشك أن البصل جميل بيد الطاهية نايجيلا لاوسون!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>