First Published: 2016-06-23

سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع

 

أحدث 'سيلفي' شيئاً من الاتزان والعقلانية في عقولنا حينما سخر بقالب كوميدي من أوهامنا وصراعاتنا التي نجترها خلفنا لأكثر من ألف سنة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

يُنسب للروائي الروسي العظيم ليو تولستوي هذه المقولة الرائعة وهي "أننا حينما نقول بأن هناك عمل فني جيد لكن لا يفهمه عامة الناس، هو كأننا نقول أن هناك أكل جيد لكن معظم الناس لا يستطيعون أكله."

ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني منذ زمن بعيد لأنها تحمل في طياتها بعداً فلسفياً واضحاً يلخص أهمية الفن في حياة الأمم باعتباره الوعاء الذي تصب فيه القضايا الاجتماعية والدينية والثقافية بحيث يتجرد من خلاله الفنان من شخصيته كي يتقمص شخصيات من حوله بكل سلبياتهم وإيجابياتهم. لكن من الضروري جداً كي ينجح الفنان في إجادة تقمصه للأدوار التي تسند إليه، أن يمتلك وعياً وإدراكاً يساعدانه على أن يكون في منتصف المسافة من الجميع، بمعنى أن يحيد قدر الإمكان سطوة الإيديولوجيا على أداءه أثناء تقمصه لبعض الشخصيات التي قد لا يتوافق معها عقائدياً وفكرياً.

لذلك أكد تولستوي في مقولته السابقة أن قيمة العمل الفني يحددها مدى فهم عامة الناس له؛ أي أن الفن الحقيقي هو الذي يستمد من تجارب البسطاء ويحكي عن أفراحهم وأحزانهم إلى الدرجة التي تجعلهم يتخيلون بأنهم يشاهدون أنفسهم في حالات متفاوتة تعكس طبيعة النفس البشرية التي لا تخلو من التناقض والغموض في بعض المواقف والأحداث. وأعظم ميزة يمتاز بها الفن الحقيقي هي قدرته على التأثير في سلوك وفكر المشاهدين من خلال وضوح فكرة العمل وبُعد الممثل عن التكلف في أداء المشاهد التمثيلية وانحيازه التام إلى الإبداع الحقيقي لا إلى التهريج والإسفاف والتسطيح من أجل اضحاك المشاهدين وتحقيق أكبر نسبة متابعة على حساب القيمة الفنية للعمل.

أجدني الآن بعد مشاهدتي لحلقات من مسلسل "سيلفي" أتفق تماماً مع ما ذهب إليه الكاتب العظيم تولستوي قلباً وقالباً، فرغم أن القضايا التي تطرق لها الفنان ناصر القصبي في "سيلفي" تعتبر بكل المقاييس قضايا شائكة وليس بالإمكان تناولها بهذا الوضوح والبساطة الخالية من التعقيد ما لم يكن هناك فريق عمل يحمل من الوعي والإدراك ما ينأى بالعمل عن السقوط في وحل الطائفية المقيتة أو حتى الانتماء المناطقي والقبلي على حساب القيمة الفنية للعمل، وبذلك يكون الفن مرآة تعكس كل ما في زوايا المجتمع من إشكالات وظواهر اجتماعية قد يستعصي علينا فهمها في بعض الأحيان، طالما أننا ننطلق في تحليلنا وتفسيرنا لها من منطلقات راسخة في بواطن عقولنا دون أن يكون للتجربة والمعايشة دور في اصدار أحكامنا القطعية تجاهها.

خذ على سبيل المثال، أن المقارنة بين ما يراه السني في الشيعي من عيوب ومثالب هي ذات العيوب والمثالب التي يراها الشيعي في السني، وإن اختلفت المسميات وتفاوتت الحجج والمبررات بين موقف وآخر، فكلاهما ينطلق من قناعاته التي تشكلت على امتداد سنوات طويلة من الانعزال والتقوقع حول الذات، الأمر الذي رسخ في ذهن كلا الطرفين بحتمية الصراع فيما بينهم بفضل سيل الأحكام والفتاوى التي أصدرتها مرجعياتهم على مدى قرون من الكراهية والبغض. فكل تهمة يوجهها السني إلى الشيعي تقابلها تهمة مماثلة من الشيعي إلى السني، وبذات الانتقاص والازدراء الذي يبديه الطرف الأول إلى الطرف الثاني، إضافة إلى أن الاستعداد النفسي للسب والشتم يصل إلى أقصى مراحله بمجرد استدعاء الحوادث التاريخية في سياق حديث عابر في مقابلة تلفزيونية أو برنامج حواري، مما يجعل النقاش عبارة عن صراخ وملاسنات بين إيديولوجيتين مثقلتين بأحمال الماضي البعيد، والتي لسوء حظ الأجيال المعاصرة أنها انعكست بكل ما فيها من مآسي وكوارث على حاضر الأمة الإسلامية، بحيث أنها جعلتنا ندور في فراغ من العتمة والظلام لا نعرف متى سنخرج منه إلى نور الحضارة الإنسانية المعاصرة؟

لقد أحدث "سيلفي" شيئاً من الاتزان والعقلانية في عقولنا حينما سخر بقالب كوميدي من أوهامنا وصراعاتنا التي نجترها خلفنا لأكثر من ألف سنة وكأنها قدر يورثه جيل إلى الجيل الذي يليه بنفس المنطق والحجج التي ساقها من افضوا إلى ربهم وهم مختلفون، دون أن نسأل أنفسنا لماذا نحن نكمل مسيرة تلك الخلافات التي لم يكن لنا فيها مثقال ذرة من الاجتهاد؟

إن العقل إذا استولت عليه الأفكار الماضوية، سيصبح مكبلاً بسلاسل من الماضي تمنعه من الانطلاق نحو إيجاد حلول لإشكاليات الحاضر الذي يعيش فيه، وسينتهي به المطاف بأن يجد نفسه في قطيعة تامة مع منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة. أتمنى أن يستمر طاقم عمل "سيلفي" بذات الأداء والأفكار الخلاقة التي استطاع من خلالها تسليط الضوء على قضايانا المعقدة والشائكة بقالب كوميدي خفف من وطأة المقارنات بين المذهبين الشيعي والسني بصورة متوازنة.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

الاسم عبدالله مفرح الغامدي
الدولة السعودية

لدينا كتاّب ومفكرين وفلاسفة ، ولكن للأسف كل فكرنا وخلفياتنا الفكرية والثقافية أسسها غيرنا . الكاتب سعودي سني ، يكتب بفكر وقناعات شعوبية شيعية! . أغلب كتابنا هكذا _ يحولون أمة المليار لطائفه \'السنة\' ، والتأريخ الإسلامي المجيد إلى حروب قبلية مذهبية - غير عابئين بسلامة منهجنا ا...

2016-06-23

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
في السعودية، ثمة حاجة للاستعداد لمواجهة كوارث السيول
2017-02-27
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
المزيد

 
>>