First Published: 2016-06-24

الانكليزي يحب الطوابير، ولا يحب الوقوف في الطابور!

 

ما يجعل الطوابير غير سارة وفق المنظور النفسي لا علاقة له بوقت الانتظار، بل بالإجهاد والتوتر النفسي من الفقدان، وينطبق الشيء نفسه على الطوابير التي تتصف بالمواجهة وتكون غير عادلة، أو تتطلب مراقبة مستمرة لمن يتخطى دوره.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لأن الطابور فكرة إنكليزية بامتياز، تعالت الأصوات بإنكليزية أمام برج أيفل عندما خرق مجموعة من الأشخاص الطابور وصعدوا الحافلة، “أيها السادة الطابور من هنا؟” لا أحد انتبه لكلام أحفاد شكسبير في بلاد مولير! عبّرَ المنادون باحترامِ فكرةِ الانتظار، عن استيائهم بعلامات الوجه ووجدوا البعض يتعاطف معهم مثلي عندما كنت أنتظر الحافلة.

في مدريد كنا ننتظر دورنا أمام نوافذ متجاورة للحصول على تذكرة القطار بترقب وملل، وفجأة جاء رجل ووقف أمامنا من دون مبالاة، وعندما أخبره شاب معنا بأننا ننتظر قبله في هذا الطابور، ردّ بصلف، هل يمكن أن تريني أين هو الطابور؟

لقد فشل علم النفس في معالجة مثل هذا الرجل غير المحترم، وكان على علم الهندسة تولي زمام الأمور، فلم يكن الطابور مرتبا بشكل لا يسمح لأحد أن يخترقه.

في مطار جربة كان الطابور طويلا للحصول على بطاقة الصعود إلى الطائرة، وفجأة حل شاب يرتدي القبعة اليهودية واخترق الطابور وهو يغني غير مبال بمن كان ينتظر قبله، استجاب له الموظف ومنحه الأسبقية ولا أحد من المنتظرين اعترض، لماذا؟

الطابور فكرة تنمّ عن التزام داخلي عند الناس واحترام لحق غيرهم، لذلك يكتب يم هارفورد في صحيفة الفايننشال تايمز “أنا أحب الطوابير، وهذا لا يعني أنني أحب الوقوف في طابور”، ببساطة متناهية لا يعني أن هذا الرجل الإنكليزي يحب الانتظار لمدة ساعتين أمام رجال الأمن في مطار أميركي مثلا، لكنه يقدّر في قرارة نفسه الدلالة الاجتماعية لأن يرى طابورا ويأخذ دوره فيه.

ما يجعل الطوابير غير سارة وفق المنظور النفسي لا علاقة له بوقت الانتظار، بل بالإجهاد والتوتر النفسي من الفقدان، وينطبق الشيء نفسه على الطوابير التي تتصف بالمواجهة وتكون غير عادلة، أو تتطلب مراقبة مستمرة لمن يتخطى دوره، أو تتطلب افتتاحا مفاجئا لطوابير جديدة.

المنظور الاقتصادي المتعلق بالطوابير، يعتبرها هدرا رهيبا للوقت وتفتقر إلى الكفاءة، لكنها عند المجتمعات المتسقة مع ذاتها هي نوع من الاحترام التاريخي الذي بدأ يفقد مواصفاته لمجرد أن الحضارات بدأت تؤثر عليها الشوائب.

أحيانا تتحول الطوابير إلى تسلية في الأعياد أو عندما يكون الانتظار بغاية الحصول على سلعة جديدة في أول عرض لها، فيكون الموبايل أشبه بأداة تسلية قاتلة للانتظار.

الطوابير عندنا لا تشبه في أيّ حال من الأحوال الأمثلة المخلة التي كنت شاهدا عليها في باريس ومدريد، وأيضا مثال مطار جربة المختلف قليلا، إن الغش والانتهاك سمتاها، والمثير في الأمر أن المتواطئ الأكبر فيها البائعون أكثر من المنتظرين.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>