First Published: 2016-06-25

الطائفيون في امتحان الأخلاق

 

المسافة الأخلاقية التي تفصل بين الموصل ورئيس الوزراء تكفي سببا لإجهاض كل مسعى لاستعادتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما شهدته الفلوجة من عمليات نهب وسلب وحرق لما تبقى من بيوتها أكد فشل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الاختبار الأخلاقي الأخير.

فالرجل الذي وعد في أن لا تتكرر في الفلوجة عمليات الانتقام والثأر التي جرت في مناطق سبق للقوات العراقية أن حررتها من قبضة تنظيم داعش أثبت أنه لم يكن بمستوى ذلك الوعد.

بل أنه فعل الأسوأ، حين صار يتحدث عن خروقات فردية، فيما صارت فجائع المدينة تحتل مكانا مبرزا في الأخبار، موثقة بالصور وشهادات الناجين من القتل.

يفسر البعض موقف العبادي انطلاقا من شخصية الرجل الضعيفة. فهو وإن وقع عليه الاختيار بديلا لزعيمه نوري المالكي فإنه لا يزال تابعا له، لا يجرؤ على القيام بأية مراجعة لسنوات حكمه الغاصة بالفساد.

ذلك التفسير لا يقول إلا جزءا من الحقيقة. وهو الجزء الذي يعفي العبادي من المسؤولية، كونه شخصا لا قيمة له في ميزان القوى الشيعية التي تتصارع في ما بينها. أولا من أجل الحصول على أكبر حصة من الغنائم الداخلية وثانيا من أجل نيل درجة أكبر من الحظوة لدى إيران.

في سياق ذلك الصراع فإن العبادي وهو عضو متقدم في حزب طائفي سعى إلى استغلال منصبه من أجل ان يسبق الجميع في التعبير عن ولائه الطائفي. ذلك الولاء الذي يوجب عليه قول ما لا يضمره من أجل ممارسة أكبر خداع ممكن.

وهنا بالضبط يكمن سر الفجوة بين ما وعد به الرجل وهو مجرد كلام وبين ما دافع عنه من أفعال وحشية تدخل في نطاق ما يُعرف بجرائم ضد الإنسانية.

ما لا يحسب العبادي له أي حساب هو الجانب الأخلاقي الذي ينطوي عليه منصبه باعتباره مكلفا بإدارة وتصريف شؤون الشعب والحفاظ على أمنه وممتلكاته. وهو ما ينبغي أن يكون حاضرا في ذهن المسؤول في الحرب كما في السلم.

تلك الأمانة هي التي كان يجب أن تفصل بين العبادي وبين أمراء الحرب الذين سبقوا أفعال أتباعهم الإجرامية بتصريحات طائفية تحث على الانتقام من المدينة واجتثاث أهلها واقتلاع كل ما يذكر بها.

كان على العبادي أن لا ينزلق إلى موقع الدفاع عن الجريمة واعتبارها مجرد تصرفات فردية من قبل مندسين غير منضبطين.

ولكن هل يملك الرجل القدرة على أن يدين تلك الانتهاكات ومرتكبيها؟

في واقع الحال فإن العراق يُحكم بطريقة عشوائية. ما لم يقو العبادي وهو رئيس وزراء على فعله يمكن أن يفعله أصغر واحد من أمراء الحرب.

وعلينا أن لا ننسى أن العبادي كان قد واجه قبل وقت قريب تهديدا جديا بإقالته.

كان ممكنا أن يذهب الرجل ضحية للصراع الذي نشب في البيت الشيعي بين مقتدى الصدر من جهة ومن جهة أخرى زعماء التحالف الوطني الشيعي، الذي أجمعوا على التضحية به من أجل أن يُفشلوا خطة الصدر في الاستيلاء على الحصة الأكبر من الحكومة.

لهذا السبب سعى الرجل إلى استرضاء أمراء الميليشيات المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، لشعوره بأنهم يمثلون الحصان الرابح لدى إيران أولا والمرجعية الدينية ثانيا والشارع الشيعي المتورط بطائفيته ثالثا.

وإذا ما أردنا الصواب فإن المرجعية هي مجرد شماعة، أما الشارع الشيعي فقد تم اختطافه وتزويره بطريقة متقنة، بما أفقده تأثيره. في هذه الحالة فإن العبادي قد ضحى بمسؤوليته الأخلاقية من أجل أن يجد في أمراء الميليشيات مصدرا للحماية من خلال رضا إيران عنه.

كانت الفلوجة امتحانا أخلاقيا أخيرا، فشل العبادي في اجتيازه.

لذلك فإن أملا في تحرير الموصل يبدو نوعا من السراب. فالموصل لمَن يعرف أهلها جيدا هي مدينة الأخلاق في العراق. المسافة الأخلاقية التي تفصل بينها وبين رئيس الوزراء تكفي سببا لإجهاض كل مسعى لاستعادتها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>