First Published: 2016-06-26

تويتر طفل يصرخ، متى يعقل؟

 

عزيزتي كايتلين موران، لست متشائما أكثر مما ينبغي، لكن تويتر لن يعيش 'الحالة المحيرة لبنجامين بوتون' ولن يكون لا جاك دورسي ولا أي مستخدم آخر بمثابة براد بيت في ذلك الفيلم المحير الذي يعكس دورة الزمن بشكل باهر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يبدو وصف الكاتبة الإنكليزية كايتلين موران لوسائل التواصل الاجتماعي بأنها أشبه بطفل يصرخ ويرمي نوبات الغضب على الآخرين، واقعيا إلى حد ما لتويتر نفسه بوصفه المايكروفون الأقوى في العالم.

وكايتلين بوصفها كاتبة وصحافية فاعلة ومنصتة للضجيج الاجتماعي القائم اليوم، لديها نصف مليون متابع على حسابها الشخصي، وهو عدد يجعلها تنتقي أفكارها وتتفاعل مع الآخرين بحيوية، ليس من أجل أن تكتب ثلاثة أعمدة أسبوعيا في صحيفة التايمز البريطانية فقط، بل من أجل أن يكون لرأيها تأثير على القراء. وربما لهذا السبب حصلت على جائزة الصحافة البريطانية المرموقة عام 2010، فيما سماها نادي الصحافة في لندن بأفضل كاتبة عمود لعام 2012.

يمكن أن نستعيد أيضا الكاتب الأميركي بريت إيستون إيليس مثلا، الذي أنفق في السنوات الأخيرة في سياق أحاديثه مع نصف مليون من متابعيه في تويتر، وقتا فاق بكثير الوقت الذي خصصه لروايته القادمة. مثل هذا الطفل “المزعج في صراخه” ينتظر أن يكبر كي يعقل قليلا، وهذا ما تتوق إليه كايتلين، فهي ترى أن تويتر الطفل سيتعلم المشي ويكبر بعدها، ويتوقف ربما عن الاعتداء على الآخرين! ثقتها المفرطة بمستقبل وسائل التواصل الاجتماعي متأتية من كون تلك الوسائل مازالت تعيش مرحلة الطفولة وهي تحت تربيتنا كمستخدمين، ويمكن لها أن تهدأ في مرحلة أخرى من عمرها.

تويتر تعريف لما يحدث الآن في العالم، لكنه ليس مثاليا، لأنه متاح كي تختلط فيه الأصوات والآراء، كل واحد منا يقول كلمته ويمضي، لكنه خطوة إلى الأمام لا يمكن التراجع عنها وفق كايتلين، التي حثت النساء على عدم التنازل عن حساباتهن لمجرد الخشية من تهديدات جنسية وكلام فظ. وتطالب النساء بعدم التراجع، لأن صوت المرأة يمتلك أهمية حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي مع تفهمها للحذر الذي تبديه النساء من تلك المواقع.

ثقة كايتلين بمستقبل “الطفل المزعج في صراخه اليوم” ليست مضمونة، لأن هناك الملايين من المربين، وإذا اعتبرنا أن الغالبية العظمى منهم يلقنون هذا الطفل الأفكار الناضجة والحس الإنساني المتسامح، لا يمكن أن نغفل نسبة الأشرار الذين يلقمونه بالتهديد والفظاظة من أجل أن يكبر في أحضانهم كشرير عالمي لا أحد يستطيع إيقاف انتهاكاته! وربما لهذا السبب رفض الروائي الألماني الراحل غونتر غراس فكرة مواقع التواصل الاجتماعي واصفا إياها بالبغيضة، ورافضا أن يكون جزءا منها، لأن التجارب الافتراضية الظاهرية على الإنترنت لن تكون بديلا عن التجارب المباشرة. أو بتعبير مارك زوكربيرغ المدير التنفيذي لفيسبوك، وهو ينتقد آلية بناء تويتر “يبدو الأمر وكأنهم قادوا سيارة من المهرجين إلى داخل منجم ذهب وتعطلوا”.

جاك دورسي الرئيس التنفيذي لتويتر، نفسه لم يتوصل من فريق العمل معه إلى تعريف واحد لتويتر، إلا أن كلمات مثل “العالم الحي”، “جحيم تستهلك الوقت”، “حرية التعبير”، كانت ماثلة في أفكارهم، وأضيفت لها اليوم فكرة تويتر الطفل عند كايتلين موران، في محاولة للتعامل معه بعقلية الكبار المربية، وعدم محاسبته على عبثه اليوم على أمل أن ينضج بعد سنين ويتعلم المشي المستقيم والكلام المفيد.

إذا كان تويتر عند البعض منصة حية لوسائل الإعلام، وعند آخرين مجتمعا ديمقراطيا يسمح بالتحادث على قدم المساواة، فيما يختصر البعض مهمته بالحرية بصفته ملاذا مفتوحا بلا قيود غير القيم الشخصية للمغرد والرادع الأخلاقي الذي يتمسك به، فإن مثل هذه التعريفات لا تعتبره بأي حال من الأحوال طفلا متهورا، لقد ولد تويتر مثله مثل فيسبوك ووجد أنه يدير عالما يسكنه أكثر من مليار شخص يتصرفون وفق مشيئتهم، وعندما تكون أبا لمليار شخص بعد أشهر من وجودك الرقمي، فهذا لا يعني أنك قد عشت أصلا طفولة ما، ولا يمكن وفق التقويم المفرط بالتفاؤل أن ينتظر منك أن تكون أكثر تعقلا في ما بعد.

عزيزتي كايتلين موران، لست متشائما أكثر مما ينبغي، لكن تويتر لن يعيش “الحالة المحيرة لبنجامين بوتون” ولن يكون لا جاك دورسي ولا أي مستخدم آخر بمثابة براد بيت في ذلك الفيلم المحير الذي يعكس دورة الزمن بشكل باهر. تويتر لم يولد طفلا ولم يعش فيسبوك مراحل التطور الرقمي كمعادل افتراضي للتطور البيولوجي عند الإنسان، وإلا لما كان لهما هذا الشعب الهائل والأموال الضخمة بعد أشهر من ولادتهما. تويتر لن يعقل، لأن عدد المجانين فيه أكثر مما يمكن أن يتخيله العقلاء!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
إعادة الثقة المهتزة بوسائل الإعلام
2016-12-11
المزيد

 
>>