First Published: 2016-06-30

الموجة الثانية لـ 'تصفير' الأزمات التركية

 

إذا كانت أنقرة قررت العودة إلى منهج تسوية أزماتها، فإن المنطق يقول لابد أن تعود للصواب، وتمتنع عن تكرار الأخطاء السالفة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

مصطلح "تصفير الأزمات" كان معروفا لدى المتخصصين في العلوم السياسية منذ زمن، لكنه اكتسب بريقا منذ صعود حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، حيث تبنى الفكرة التي نحتها أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق، لتسوية المشكلات بين أنقرة ودول الجوار بطريقة سلسة.

في البداية كانت النتيجة جيدة ومبشرة، خاصة مع سوريا، التي كادت تندلع حرب معها، ومضت التوجهات التركية في هذا المضمار، وأوجدت أنقرة مكانا لها في الشرق بعد أن فقدت الأمل في الالتحاق بركب الغرب، وتنامى الحديث عن دور مؤثر لها في منطقة الشرق الأوسط، وظهر جانب من تجلياته عقب اندلاع سلسلة من الثورات في بعض الدول العربية، عندما بدت أنقرة الحاضنة الأم لتيارات الإسلام السياسي، بشتى أطيافها.

اللافت أن الأيام أثبتت أن التسوية التي تتطلع إليها أنقرة تكتيك مخادع، وليس إستراتيجية حقيقية، حيث دخلت تركيا في عداوات مع بعض القوى الإقليمية والدولية، وفي الوقت الذي طورت علاقاتها مع عدد من الحركات السياسية والإرهابية، انتكست مع دول كثيرة، ووصلت في حالتي سوريا والعراق، إلى القيام بعمليات عسكرية نوعية في أراضي كل منهما، بالإضافة إلى التجاوزات والتراشقات والصدامات مع دول أخرى، وكانت هذه حصيلة منهج المنظر داود أوغلو والسياسي رجب أردوغان.

عندما بدأت المردودات السلبية تتزايد حول توجهات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتكبد بلاده خسائر فادحة وتهدد مستقبله السياسي، بدأ حزبه يلتحف مرة أخرى ببرغماتيته المعهودة، وتبدو تصوراته وتصرفاته الأخيرة كأنها عودة جديدة لسياسة قديمة عرفت بـ "تصفير الأزمات" على أمل أن تهدأ العواصف وتتراجع الأعاصير التي لم يعد أردوغان يعرف متى وأين تهب عليه؟

فقد بدأ إرهاب داعش يضرب في العمق التركي، واستعاد حزب العمال الكردستاني زخمه وأمسك بزمام المبادرة مرة أخرى، ليلحق خسائر فادحة بالنظام الحاكم، وأخذ طوفان اللاجئين السوريين يتحول إلى ورقة مزعجة، وتصطدم حسابات أنقرة مع تقديرات بعض العواصم الأوروبية، وتوالت انعكاسات الحرب في سوريا على تركيا بصورة مخيفة، وتصاعدت حدة الخلافات السياسية مع كل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والعراق ومصر وغيرهم.

لم يجد أردوغان أمامه سوى التفكير في العودة إلى قاموسه السابق، ومحاولة ترطيب الأجواء مع الدول التي اتسعت المسافات بينها، وتجذرت الخلافات معها، فقدم اعتذارا مكتوبا للرئيس فلاديمير بوتين جراء قيام القوات التركية بإسقاط مقاتلة روسية في سوريا، بعد فترة طويلة من الممانعة بلغت حد العجرفة، وأعاد تطبيع العلاقات مع إسرائيل عقب مرحلة من التشدق بالدفاع عن قطاع غزة، والمطالبة برفع الحصار عنه، والتمسك بأهداب القدس والقضية الفلسطينية لدغدغة مشاعر المسلمين.

الرسائل لم تتوقف عند هذا الحد، بل بعث بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا بإشارة لمصر الاثنين الماضي، توحي باقتراب تطبيع العلاقات، لكن رسالته انطوت على قدر من الخداع، عندما ألمح إلى استمرار موقف بلاده التقليدي الرافض لثورة 30 يونيو 2013 التي أفضت إلى عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وهو ما اعتبرته الخارجية المصرية ينطوي على تناقض فاضح.

إذا كانت أنقرة قررت العودة إلى منهج تسوية أزماتها، فإن المنطق يقول لابد أن تعود للصواب، وتمتنع عن تكرار الأخطاء السالفة، لأن ألف باء التسوية أن تقوم بطي الصفحة القاتمة، وتتخلى صراحة عن دعم الإخوان، وتؤكد بدون موارية اعترافها بشرعية النظام الحاكم، لأن أسلوب التراجع التدريجي لم يعد مجديا، والاعتقاد بأن سياسة الصدمة والمفاجأة يمكن أن تؤثر على مستقبل حزب العدالة والتنمية، ذريعة تضاعف من هواجس الجيران، وتؤكد أن "تصفير الأزمات" وسيلة لتقليل الخسائر السياسية، وليس غاية لتطبيع العلاقات الخارجية.

إذا أرادت أنقرة تثبت للعالم أن ثمة سياسات جديدة تتبناها، ولديها رغبة في فتح صفحة بيضاء، ومصممة فعلا على التخلي عن التدخل في شئون الدول الأخرى، تقدم الدليل القاطع لحسن نواياها، فقد نجحت المرة الأولى في خداع دول كثيرة، لكن هذه المرة من المؤكد أن الجميع يحتاط، ولن يتعامل مع الخطوات التركية بجدية، ما لم تلتزم بمعايير محددة في الأزمات الشائكة، تعزز الثقة في أنها لن تنقلب على منهجها الأثير.

من الإجراءات المطلوب أن تقدم عليها أنقرة فورا، تقوم برفع يدها عن الأزمة السورية وتبتعد عن التدخل في تفاصيلها، وتغلق عمليات تهريب البشر والسلاح إلى الأراضي السورية، وترشد على الخلايا اليقظة والنائمة من الجماعات المتشددة في أنحاء مختلفة من العالم، وتكف عن دعم الإخوان، وتنهي قصة الملاذ الآمن الذي تقدمه لقيادات وكوادر الجماعة، وتوقف الأنشطة السياسية والإعلامية الخاصة بهم.

علاوة على ذلك، ينبغي تجنب التحايل للاقتراب من وضع أقدامها في قطاع غزة، بما يوفر لها ورقة يمكن أن تستخدمها كمنغص للإضرار بمصالح الآخرين، فإذا كانت أنقرة عازمة على تحسين علاقاتها مع مصر عليها أن تتحرك في اتجاه مستقيم، وتتخلى عن الازدواجية التي تغلف الكثير من ممارساتها، وتقطع الطريق على الشكوك التي تراود البعض، وتقديم ما ينفي أن التغير الحاصل في التوجهات يرمي فقط للخروج من عنق الزجاجة، لكنه يهدف إلى "تصفير الأزمات".

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>