First Published: 2016-07-03

صحف بريطانية تطلق النار على أقدامها

 

في علاقة 'حب- كراهية' التي استمرت على مدى خمسة عقود بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ثمة مساحة في غاية الأهمية أكدت على أن فليت ستريت مازال يمتلك وحشية أسنان الذئب، المخاتل والمخادع، وأن قوة شارع الصحافة تكشف نقطة ضعفه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يمكن تحوير عنوان فيليب ستيفنز في صحيفة فايننشال تايمز إلى “صحف بريطانية تطلق النار على أقدامها” بدلا من “بريطانيا” ويصبح الأمر تعبيرا عن واقع تعيس ومكلف دفعت إليه صحف شعبية من أجل التأثير على رأي الجمهور وحثه على التصويت لمغادرة الاتحاد الأوروبي. لكن أي جمهور؟

في علاقة “حب- كراهية” التي استمرت على مدى خمسة عقود بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ثمة مساحة في غاية الأهمية أكدت على أن فليت ستريت مازال يمتلك وحشية أسنان الذئب، المخاتل والمخادع، وأن قوة شارع الصحافة تكشف نقطة ضعفه.

ليس الاحتجاج وحده على النخب السياسية، والصحافة تسهم في صناعة مثل هذه النخب، بل لأن مثل هذه الصحف قد صنفت جمهورها مسبقا ولعبت معه دورا “انتهازيا” فازت فيه في النهاية صحف ذا صن وديلي ميل عبر تأجيج الخوف والأكاذيب الصريحة لكل من بوريس جونسون، ومايكل غوف، ونايجل فراج.

الجمهور تعبير مؤثر وفق المفاهيم الإعلامية، ولهذا صار من الأهمية تصنيفه وفق قوة التأثير عليه من قبل الصحافة، مجموعات الناس ذات الدخل الأعلى والأقل وطبيعة أعمالهم وما يمتلكونه من مدخرات، تُملي مواقف الصحف وخطها التحريري.

هناك شريحة من الجمهور أكبر سنا وأفقر وأقل تعليما كالعمال والموظفين العاديين، والمتقاعدين والعاطلين عن العمل الذين يشعرون بالضغط والخيانة بسبب الهجرة. هذه الشريحة خاطبتها صحف “بريكست” لدعم المغادرة من الاتحاد الأوروبي.

قرّاء صحيفة ذا صن من الشباب، وقرّاء ديلي ميل من الكبار في السن، وكل فئة من هاتين الفئتين من القرّاء تميل للمغادرة، كذلك الصحف التي يقرأونها.

ذا صن صحيفة روبيرت مردوخ المتشككة ظلت تتخمر منذ العنوان المتهور قبل ربع قرن “لا أهتم بك يا ديلور” عن جاك ديلور، رئيس المفوضية الأوروبية الاتحادي الأسبق.

واليوم يبدو عنوان “أمة منقسمة” الذي تصدر الصفحة الأولى لصحيفة “آي” أشبه بإجابة على سؤال مرت عليه أربعة عقود، من أجل أن ينتج هذا الواقع القلق الذي وصل متأخرا وألحق الضرر بالبريطانيين أنفسهم ولم يكن جديرا بالوفاء لطبيعة حياتهم، هم يدركون أنهم جزء من أوروبا ولا يمكن أن يكونوا هامشا للولايات المتحدة بطريقة الكلب وذيله التي مارسها توني بلير مع جورج بوش. لكن لماذا قبلوا بإطلاق النار على أقدامهم، ولماذا حرضت الصحف الشعبية على هذا الفعل.

ربما يمكن تفسير الكلام السياسي لبوريس جونسون بأن التصويت للخروج من الاتحاد لن يجعل بريطانيا تدير ظهرها إلى أوروبا، لأنه من الذكاء إلى درجة يدرك أن الانتهازية لعبة السياسيين منذ القدم.

جونسون، المراوغ بشكل صارخ، والحلقة الضيقة المحيطة به والتي توسعت بالاندفاع الشعبي المتهور، لا يملكان أي خطة للتكيف مع واقع ما بعد الخروج من أوروبا. أو وفق تعبير فايننشال تايمز “لم يفكر إلا بطموح مهووس ليحل محل ديفيد كاميرون رئيسا للوزراء، فهو فشل في تقديم بيان تمهيدي جاد لسبب بسيط هو، باستثناء بعض هراء الحنين لاستعادة حكم العالم، أنه لا يملك أدنى فكرة عما سيأتي بعد ذلك”.

لا يمكن تفسير كلام مارتن كلارك، ناشر “ميل أون لاين” وهو يطمئن صحيفة الغارديان الرافضة لفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي بقوله “نحن لا نُؤجج المخاوف، فالمخاوف موجودة هناك”، إلا بنفس فكرة “لا أهتم بك يا ديلور” التي كتبت قبل عقود.

خذ مثلا عنوان صحيفة ديلي تليغراف على صفحتها الأولى “ميلاد بريطانيا جديدة”، بينما جاءت افتتاحيتها تحت عنوان “وقت للتفاؤل وبداية جديدة”.

“دعونا ندخل قبل أن تصوتوا بالخروج” هكذا كتبت ذا صن قبل التصويت بأيام “عن المهاجرين التخريبيين في كاليه الفرنسي”، فيما كتبت صحيفة ديلي ميل “نحن من أوروبا.. دعونا ندخل” وكان عنوانا زائفا عن المهاجرين.

هذه العناوين الكبيرة أظهرت في طياتها تقارير ضللت عن قصد المصوتين البريطانيين حول قوة الاتحاد الأوروبي. وها هي غالبية الصحف تصرح اليوم بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي تعيس ومكلف، وسيجعل بريطانيا أكثر فقرا وأضعف على الساحة الدولية.

لقد وضع فليت ستريت جدول أعمال الخروج من الاتحاد الأوروبي وهو يعيش اليوم في مأزق النتيجة، ومع أن التلفزيون يملك وصولا أوسع للأخبار “ثُلثا الناس في بريطانيا يحصلون على الأخبار من شبكة بي بي سي على الأقل مرة في الأسبوع”، إلا أن الصحف رغم وصولها إلى أقل من هذه النسبة من الناس فإن المواضيع التي تختارها والآراء التي تُعبر عنها تُنتج لها أصداء.

الأمر الذي يعتبره ديفيد ديكون، أستاذ وسائل الاتصال والإعلام، بأن الصحف تمتلك المزيد من النفوذ في إخبار الناس عن طريقة التفكير وكيفية اتخاذ القرار.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
إعادة الثقة المهتزة بوسائل الإعلام
2016-12-11
المزيد

 
>>