First Published: 2016-07-09

بلير شبح مذعور في ليل جريمته

 

تقرير تشيلكوت سيكون فرصة عادلة لفتح كتاب الحرب التي لن تُنسى.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لم يندم توني بلير على ما فعله بالعراق. "لقد اتخذت القرار الصحيح" قال. بل أضاف "لست آسفا على ما فعلت. أرغب في أن أفعلها ثانية." غير أن بريطانيا بدت نادمة على ما فعله الرجل الذي سلمته مقاليد الحكم بها.

تقرير تشيلكوت كان بمثابة ثغرة في جدار الصمت الذي أحيطت به مشاركة بريطانيا في حرب، ظهر أخيرا أنها لم تكن تستند إلى أسباب قانونية بعد أن وقعت من غير تفويض دولي. لم تكن تلك الحرب خيار اليائسين من الحلول السلمية للمشكلة التي افتعلها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن مع العراق.

كانت هناك حلول كثيرة، ركنت من قبل الإدارة الأميركية ولم يكن بلير ملزما في أن يتبع خطى بوش مهما حصل. مع الوقت صارت جملته مؤلمة على المستوى الأخلاقي.

تقرير تشيلكوت هو عبارة عن تصفية حسابات أخلاقية.

ما خلص إليه التقرير يمكنه أن يجرد تلك الحرب من كل حق. ومع ذلك فإن لغة القانون تبدو باردة. فهي لا تذهب أبعد مما هو مطلوب منها. لقد جر بلير البلاد إلى حرب، فقد فيها 179 شابا بريطانيا حياتهم من غير أن تستند تلك التضحية إلى قضية عادلة.

يركز بلير على أنه لم يكذب. كان مذعورا من أن يتهمه الآخرون بالكذب. "التقرير لم يتحدث عن الكذب" قال كما لو أنه لا يعتبر تضليل الرأي العام والمؤسسة التشريعية نوعا من الكذب.

ستأخذ العدالة مجراها.

مليونان ونصف المليون من الكلمات تبدو كافية لوصف قرار الإقدام على الجريمة. أما الجريمة نفسها وما نتج عنها فقد لا يكفي بحر من الكلمات لوصفها.

هناك دولة محيت وشعب سُلم للضياع لن يتاح لهما في وقت قريب أن يستردا حقهما في محاكمة مدبري الجريمة في حقهما.

تقرير تشيلكوت اختص بالحق البريطاني ولم يتجاوزه إلى الحق العراقي.

وهو ما تفعله القوانين بقدر لافت من الصمت البارد.

ولكن ذلك التقرير سيكون فرصة عادلة لفتح كتاب الحرب التي لن تُنسى. لقد شلت تلك الحرب بكل ما انطوت عليه من أهوال قدرة العراق على أن يستعيد شيئا ولو صغيرا من وجوده. بعثرته بطريقة لا يمكنه بعدها أن يكون شيئا يُذكر به.

مهد تقرير تشيلكوت لظهور الحقيقة التي ظن الكثيرون أنها طمست مع الوقت. فبعد ثلاثة عشر عاما يُسلط الضوء على لا شرعية تلك الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين.

وإذا ما كان بلير مثله مثل بوش من قبله يركز على أن اسقاط صدام حسين كان هدفا يستحق التضحية فإن القانون يقول شيئا مختلفا تماما.

من غير أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها مجرد كذبة فإن نظام صدام حسين كان شأنا محليا، لا علاقة لبريطانيا به. وهو ما يعني أن الحرب التي شنت على العراق قد ركبت بطريقة لا أخلاقية، يشعر البريطانيون معها أن من حقهم أن يضعوا من خطط لها ونفذها موضع مساءلة.

لقد ضلل بلير بريطانيا وهي دولة عظمى بما جعلها ترتكب جريمة يحاسب عليها القانون الدولي. الرجل الذي أنيطت به مهمة رئاسة الوزراء لعشر سنوات كان في حقيقته رجلا خارجا على القانون.

وحده بلير يدرك مغزى ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك التاريخ.

لذلك بدا وهو يلقي خطابه كما لو أنه في جنازة.

يعرف أن عوائل القتلى البريطانيين ستلاحقه بالدعاوى. لن يكون في إمكانه أن يفلت من المحاكمة. وهو أمر، خُيل إليه أنه صار مستبعدا، بعد أن استثمر نجاحاته في الحرب اقتصاديا، وصار يُشار إليه باعتباره وسيط سلام.

شجاعة تقرير تشيلكوت تكمن في أنه قال ما كنا نعرفه، لكن بصيغة قانونية. وهي صيغة لا تقبل اللبس. تلك حرب ظالمة أودت بحياة مئات الألوف من الشعب العراقي ودمرت مستقبل بلد، من غير أن يتمكن سادتها من القبض على أسباب قانونية لقيامها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>