First Published: 2016-07-10

نازحون إلى الأبد

 

مخيمات النازحين هي ثقوب سوداء. ثقوب ابتلعت اصحابها وتجتذب المزيد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا أعتقد أن أحدا من المقيمين في مخيم الزعتري بالأردن كان يتخيل أنه سيقضي ما تبقى من حياته في مخيم. ولكن الواقع يقول إن ذلك البلد الذي لجأ إليه السوريون كان قد مزج خيال المخيمات بذاكرته التاريخية.

الجغرافيا لا تخون. هناك في الأردن مخيم الحسين ومخيم الوحدات ومخيم البقعة. هذا إذا لم تكن عمان العاصمة نفسها بمثابة مخيم كبير.

من المؤكد أن كثيرين كانوا قد صدقوا الكذبة، لأنهم لم يكونوا معنيين بقراءة التاريخ. سيكون النزوح مؤقتا. لن يمر أسبوع. على الأكثر اسبوعان لتكون سوريا مستعدة لاستقبال أبنائها الذي أمضهم الشوق إليها. سيُفاجأ العائدون بسوريا جديدة، سوريا التي تعود إلى أهلها من غير حزب البعث ولا أجهزته الأمنية ولا صور الاب والابن.

ربما أكون قاسيا حين أقول إن الكذبة انطلت على السوريين مثلما انطلت على الفلسطينيين من قبلهم. وهو أمر لا تشهد عليه مخيمات النازحين في الخرطوم وحدها، بل وأيضا مخيم اليرموك الملاصق لدمشق والذي صار جزءا منها. لربما لم يتعلم السوريون شيئا من فكرة انتقال البعض منهم إلى السكن في ذلك المخيم الذي أقيم ليكون مأوى مؤقتا للنازحين الفلسطينيين.

مع الوقت صار مخيم اليرموك جزءا من دمشق، من غير أن تمحى عن أهله صفة الإقامة المؤقتة، بالرغم من أن أهله صاروا دمشقيين، لكن بما يهب تلك الصفة قدرا من الغربة. وهو ما جعل من السوري الذي ينتقل إلى السكن في ذلك المخيم غريبا عن أهله. بهذا المعنى فإن المخيم كان يجتذب نازحين جددا، من غير أن يتمكن من فك ارتباطه بتاريخه الذي هو عنوان للاقتلاع من الأرض والهوية معا.

لقد جربت شخصيا أن أمشي في دروب مخيم الحسين بعمان فشعرت بأن هناك خطأً يقع بين كل خطوتين كنت القيهما على الأرض. هذه أرض مؤقتة لا تصلح حقلا يتنزه فيه المرء ولا يمكن للمرء فيها أن يحيد ألمه. هي أشبه بالثقب الأسود الذي التهم بشرا في لحظة، كان أولئك البشر يبحثون فيها عن خلاص.

مخيمات النازحين هي ثقوب سوداء.

سأبدو متشائما إن قلت إن نازحا سوريا واحدا لن يعود إلى بيته.

"يا إلهي. هل سيبقى النازحون في انتظار صدقات منظمات الإغاثة الدولية؟"

هناك منظمة اسمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) تأسست عام 1949 لا تزال تعمل حتى اليوم. في ظل الظروف الراهنة سنحتاج إلى مؤسسات دولية شبيهة على الأقل في العراق وسوريا. هناك كما تقول التقارير الدولية أكثر من ثمانية ملايين نازح لن يتمكنوا في القريب العاجل أو في الزمن المنظور من العودة إلى أماكن سكنهم.

ثمانية ملايين هم شعب. ولكنه شعب ضائع لا أمل له في أن يكون جزءا من أية معادلة. من المؤسي فعلا ألا يكون لذلك الشعب مكان في أية مفاوضات سياسية. لقد محت المفاوضات الإسرائيلية ــ الفلسطينية حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، فكيف نأمل في عودة السوريين أو العراقيين إلى ديارهم؟

لن أكون متشائما إذا ما أعلنت يأسي.

ما يجري ي العراق على سبيل المثال يؤكد أن النازحين لن يعودوا إلى مدنهم.

لقد كتب عليهم أن يكونوا نازحين إلى الأبد. وهو ما أتوقعه للأسف للسوريين والعراقيين معا.

لربما تكون الحالة الفلسطينية أفضل من جهة دلالاتها الأخلاقية بالرغم من وجود مخيمات للاجئين الفلسطينيين داخل أراضي السلطة الفلسطينية، غير أن وجود مخيمات للنازحين العراقيين داخل العراق وهو بلد ثري هو بمثابة عار أبدي.

الإنكار الحكومي يؤكد أن الأمور ستكون أسوأ في المستقبل.

ستكون المخيمات واقع حال وسيكون العراقي نازحا إلى الأبد. وهو ما يصحح قوله على السوري بكل أسف.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
آن لقطر أن تطوي مشروعها
2017-09-11
المزيد

 
>>