First Published: 2016-07-10

الإعلام لن يتخلص من إرث احتلال العراق

 

المعضلة في الإعلام الذي رافق غزو العراق، ليست في تراجع حساسيته، بقدر التنازل المريع عنها والاندفاع وراء المبررات المغلوطة بوصفها حقيقة من أجل مزاعم المصداقية والحرية اللتين لم تستعيدا هيبتهما، حتى مع إعلان تقرير تشيلكوت.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يوصف العراق بانتظام بأنه أسوأ خطأ في السياسة الخارجية البريطانية، لكن القليل جدا من يضع الإعلام شريكا في هذا الخطأ القاتل. الإعلام لم يعمل بجد كما كانت ومازالت الحرب تعمل بجد، لم يتسق مع الرأي العام وأكثر من أربعة ملايين متظاهر تدفقوا على شوارع لندن قبل أسابيع من اندلاع غزو العراق، لم يكن الإعلام مرآة فعلية للناس آنذاك من أجل كبح جماح السياسيين وثنيهم عن التحرك وراء الأكاذيب.

اليوم يعاد نفس السؤال مع إعلان تقرير السير جون تشيلكوت حول احتلال العراق، السؤال الذي بقي حائرا مع القليل من عدم الاحترام للمصداقية، وأعادته صحيفة فاينانشال تايمز بطريقة عما إذا كان التقرير سيسمح لبريطانيا بالتخلص أخيرا من إرث العراق. المريع في الأمر، الأكاذيب أكبر من حجم السؤال على مر التاريخ، والكذابون مازالوا يتصدرون المشهد بوصفهم المنقذين، والإعلام يتعامل معهم بذاكرة متهرئة عن قصد.

الإعلام شريك في أكاذيب احتلال العراق، لكنه لا يحاسب نفسه لأن عجلته تدور بأسرع من ذاكرة الجمهور!

كان محدثي الإنكليزي على درجة من الأهمية ليدرك طبيعة صناعة الخطاب الإعلامي في بريطانيا “بلا، أن توني بلير كذبَ وأصرَ على الكذب” هكذا قال مضيفا “هو أمر لا يليق به وفق القيم الإنسانية، لكنه كسياسي يمتلك ما يبرر ذلك”.

وقال وهو يحدثني قبل إعلان خلاصة تقرير تشيلكوت “الحرب تبدأ بكذبة تطلقها وسائل الإعلام، أو تكون صدى لمكذبيها من السياسيين، وإلا لا يمكن أن تستمر عجلة السياسة والإعلام معا”. مثل هذا الكلام يجرم مصداقية دعاة حقوق الإنسان، ويسقط وسائل الإعلام في وحل آسن، فالحرب لا تجلب الحرية، كما كانت تردد وسائل الإعلام الأميركية صدى كلام وزير الدفاع الأميركي آنذاك دونالد رامسفيلد.

المعضلة في الإعلام الذي رافق غزو العراق، ليست في تراجع حساسيته، بقدر التنازل المريع عنها والاندفاع وراء المبررات المغلوطة بوصفها حقيقة من أجل مزاعم المصداقية والحرية اللتين لم تستعيدا هيبتهما، حتى مع إعلان تقرير يتكون من أكثر من مليوني كلمة بعد استماع هيئة التحقيق لأدلة من أكثر من 150 شاهدا، وكلف ذلك أكثر من عشرة ملايين جنيه إسترليني. لقد اعترف بالأمس صحافي على درجة من المعرفة بأجواء العراق والشرق الأوسط مثل باتريك كوكبيرن، بأن الحروب التي قامت كانت سببا في تدمير أو تقطيع أوصال أمم موحّدة وتقسيمها بحكم الواقع.

فالولايات المتحدة -وفق كوكبيرن الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فاينانشال تايمز، ثم ذي أندبندنت وأصدر أكثر من كتاب حول العراق- تجد هي وحلفاؤها أنفسهم أقوياء بما يكفي ليتخيّلوا بأنه يمكنهم التخلص من الأنظمة التي لا تعجبهم، لكن إما أنهم لا ينجحون، وإما أنهم ينجحون لكنهم لا يستطيعون تعويض ما دمروه. لم يكن تقرير تشيلكوت معنيا بما أحدثته وسائل الإعلام من أذى وهي تسوغ لاحتلال العراق تأسيسا على أكاذيب معلنة ومكشوفة ومستمرة، بل كانت مهمته الأولى هي التحليل الدقيق لقرار الذهاب إلى الحرب.

وتطرق إلى مدى الأذى الذي أحدثه كل من بلير، وجاك سترو، وزير الخارجية الأسبق، ورؤساء سابقين في أجهزة الاستخبارات في تعاملهم مع الحقائق.

لكن روزماري هوليس أستاذة العلوم السياسية الدولية في جامعة لندن، تفسر ذلك بأن السياسيين البريطانيين “أثبتوا تماما أن الغاية تبرر الوسيلة”، مطالبة في تصريح لصحيفة فاينانشال تايمز بـ”انهيار تلك الفكرة”. بينما يرى روري ستيوارت النائب المحافظ والمسؤول السابق في العراق بعد الغزو “أن الفشل في العراق كان أحد المؤشرات الأولى على أن بريطانيا بدأت تفقد لمستها بخصوص الشؤون الخارجية”.

إذا كان تقرير تشيلكوت سيسمح لبريطانيا بالتخلص من إرث غزو العراق والإبقاء على فكرة أن توني بلير كان هامشا لقرار جورج بوش، ويكدس اللوم على السياسيين ومسؤولي المخابرات والدبلوماسيين والعسكريين لدورهم في الغزو، فإن الإعلام البريطاني لن يتخلص من هذا الإرث بوصفه شريكا فاعلا في صناعة وترويج الأكاذيب التي كانت سببا في مقتل 179 من الجنود البريطانيين ومئات الآلاف من العراقيين وتدمير بلد وتسليمه لأحزاب دينية وطائفية تحت مسوغ “تحرير العراقيين”.

الإعلام صنع مثل هذه الخرافة “تحرير العراقيين من أنفسهم” في تبعية لأكاذيب سياسية، لكنه في النهاية يفلت من العقاب الاعتباري، فيما يظهر وقاحته ويبدو عالي الجبين وهو ينقل استياء الرأي العام من انصياعه لأكاذيب بوش وبلير. لا قيمة لتقرير السير جون تشيلكوت إن لم يكن طريقا إلى المقاضاة الجنائية لتوني بلير، أما الإعلام فلن ينجو، على الأقل في نظر الرأي العام البريطاني الرافض لفكرة الاحتلال، ولن يكون فم التاريخ من حجر عندما يعود إلى غزو العراق.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
ركود رقمي، الورق يعني الورق!
2017-02-12
غمازة كاظم الساهر الواهنة
2017-02-07
مفعول ترامب دواء للكساد الإخباري
2017-02-05
لماذا نضرم النار في مدننا؟
2017-01-31
ترامب لعبة صحافية لا تُمل
2017-01-29
اللغات لا تتقاتل
2017-01-24
المزيد

 
>>