First Published: 2016-07-12

أزمة الاتحاد الأوروبي ونعي رهان العولمة الثقافية

 

من الغريب أن تكون ذروة العولمة في العصر الراهن هي العودة إلى الشعوبية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

أصاب المعلقون السياسيون الذين وصفوا نتائج استفتاء البريطانيين يوم الرابع والعشرين من يونيو المنصرم والتي جاءت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بأنه زلال، وهو كذلك ليس فقط من حيث تأثيره على المملكة المتحدة وشعوبها وعلى الاتحاد الأوروبي ومستقبله، بل أيضا من حيث تأثيره الجيوستراتيجي على ما كان يعتبر مسلمات في سياق تطور المجتمعات والنظام الدولي، مثل توجه الدول نحو التكتلات الإقليمية والدولية الكبرى، ونحو مزيد من الاندماج، والعولمة بما هي كسر للحواجز والحدود، وتجاوز النزعات الدولية التي تتمسك بمفهوم الدولة ذات السيادة المطلقة، أيضا من حيث الزعم بأن الشعوبية وكل اشكال التطرف أمور تخص المجتمعات العربية والإسلامية فقط الخ.

تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي يمكن قراءته من عدة جوانب، والرسالة المهمة والإيجابية الأولى في الموضوع أن الشعوب في الغرب تملك قرارها وهي التي تحدد مصيرها وهويتها وعلى الساسة الخضوع لإرادة الشعب. فعندما اختار الشعب البريطاني سياسة تتعارض مع سياسة رئيس الحكومة ديفيد كاميرون قرر هذا الأخير التنحي عن السلطة، دون أن نسمع منه أو من حزبه أي تشكيك بالانتخابات أو الحديث عن تآمر خارجي الخ. مهما كانت نتائج هذا التصويت فالشعب هو الذي سيتحمل مسؤولية خياراته. هذا درس علينا كعرب الاستفادة منه.

ومن جهة أخرى فإن هذا التصويت له أبعاد تتجاوز مجرد الخروج من الاتحاد الاوروبي، فما جرى سيشجع بعض الشعوب التابعة لـ "المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا"، أو كما تختصر بريطانيا، للانفصال عن المملكة، وخصوصا اسكتلندا، وقد يدفع بعض مكونات الاتحاد الأوروبي ليعيدوا النظر في بقائهم في الاتحاد الاوروبي، وقد ارتفعت الأصوات بالفعل في فرنسا وهولندا تطالب بإعادة النظر في عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي، أو يتم إعادة النظر في طبيعة العلاقات التي تجمع دول الاتحاد لتصبح هذه العلاقات أكثر مرونة، بالإضافة إلى تأثيره على الاقتصاد البريطاني والاقتصاد العالمي.

على مستوى أبعد، فما جرى ينسجم مع ظاهرة تتفاقم في العالم وهي انتشار الشعوبية بكل اتجاهاتها العنصرية والقومية الشوفينية، والعودة للانغلاق والتمركز على الذات، وتعميم ظاهرة الأصولية لتشمل كل الديانات والأيديولوجيات والثقافات.

بالتأكيد هناك أسباب متعددة وراء توجه البريطانيين نحو الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، مثل الموقع الجغرافي لبريطانيا وتجربتها التاريخية، زيادة الهجرة وخصوصا من دول أوروبا الشرقية إلى بريطانيا، والوضع الاقتصادي، وتدافع الأجيال أو الصراع ما بين الجيل القديم الذي يحن للماضي والجيل الجديد المتطلع للانفتاح، ولكن أهمها قوة اليمين المحافظ في بريطانيا.

هذا اليمين كان وراء دعم فكرة خروج بريطانيا من الاتحاد وهو شكل من الأصولية والشعوبية التي لها نضير في كثير من دول أوروبا، كحزب "الجبهة الوطنية" في فرنسا الذي تتزعمه جان ماري لوبان، وحزب "الحرية" في النمسا، وفي الدنمرك "حزب الشعب الدنماركي" بزعامة بيا كيارسغارد، وفي السويد حزب "الديمقراطيين"، وحزب "البديل" في المانيا، وحزب "التقدم" في النرويج الخ، وفي الولايات المتحدة فإن اليمين المحافظ واليمينيين الجدد صعدوا إلى مواقع قيادية في الإدارة الأميركية منذ الثمانينيات، ونموذجهم الأكثر تطرفا اليوم المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب، وفي إسرائيل حيث التوجه نحو اليمين غير مسبوق، ولا نتجاهل ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي من أصولية دينية متطرفة ومتخلفة.

الموضوع يطرح قضية إشكالية أو مفارقة على مستوى التغيرات الكونية منذ انتشار الحديث عن ظاهرة العولمة نهاية ثمانينيات القرن العشرين. المفارقة أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة والتي يمكن وسمها بعصر العولمة، بما تعنيه العولمة من إزالة الحدود والحواجز وحرية تنقل البضائع والأفراد، وتحويل العالم لقرية صغيرة تتجاوز العصبيات الهوياتية والإثنية والدينية أو ما يسمى بالعولمة الثقافية، خلال هذه العقود أنتجت العولمة نقيضها وهو الطائفية والعنصرية والإثنية والأصولية بكل أشكالها، وبدل توحيد العالم وتقارب الثقافات انفجر العالم في حروب وصراعات وخصوصا مع انهيار دول المعسكر الاشتراكي، وبعدها صعود اليمين المتطرف في أكثر من بلد في العالم، وقد سبق للمفكر الاميركي صمويل هانتجتون في كتابه "صدام الحضارات" الصادر عام 1996 أن نعى، بطريقة غير مباشرة، العولمة وخصوصا الثقافية.

ما جرى مع بريطانيا وما سيترتب من تداعيات، عنوانها العودة للانغلاق على الذات واستحضار الدولة القومية المعتزة بسيادتها وهويتها، وما يجري من صعود للشعوبية والأصوليات في العالم كله، وهي تتعارض مع منطق وفلسفة العولمة وخصوصا الثقافية، كل ذلك يستدعي إعادة النظر في صحة ودقة الحديث عن زمن العولمة وخصوصا في شقها الثقافي، أو على الأقل إعادة النظر في غالبية التعريفات التي أعطيت للعولمة والتي حاولت أن تضفي عليها طابعا اخلاقيا وانسانويا، والتعامل مع العولمة، إن كان ما زال هناك مجال للحديث عنها، كايدولوجيا يوظفها الأقوياء لصالحهم، وهذا ما يمنح مصداقية للكُتاب الذين ناصبوا العولمة العداء منذ ظهورها وحذروا من تداعياتها على دول العالم الثالث.

قد يكون صحيحا أن العولمة الاقتصادية قطعت اشواطا مهما فيما يتعلق بالتجارة والاستثمارات أو حركة رؤوس الاموال، إلا أنها متعثرة دون ذلك. فمثلا تعتبر ثورة المعلوماتية خصوصا الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من أهم مظاهر العولمة، وكان الهدف من هذه الوسائل زيادة التواصل بين الافراد داخل المجتمع، والتواصل ما بين الشعوب وبعضها البعض، إلا أن هذه التقنية تم استعمالها لإثارة الفتن والنزعات الشعوبية وباتت هذه الأخيرة وخصوصا الحركات الأصولية توظفها لنشر افكارها وتنفيذ عملياتها العنيفة، حتى أن كثيرا من دول العالم باتت تخضع هذه التقنيات للمراقبة الشديدة وأحيانا تتدخل لوقف نشاطها، ولا نلمس أن هذه التقنيات زادت من تقارب الشعوب وبعضها البعض.

بطبيعة الحال هناك فرق في كيفية توظيف والاستفادة من تقنيات ثورة المعلوماتية ما بين دول العالم المتقدم ودول العالم الثالث، ايضا هناك فرق بين ما يجري في الغرب بشكل عام وخصوصا صعود الأصوليات أو اليمين المتطرف أو المحافظين الجدد، وما يجري في العالم العربي والإسلامي مع ظاهرة الأصولية الإسلامية. صعود اليمين المتطرف وظاهرة الأصولية في الغرب غالبا ما تعزز الدولة القومية وتحافظ على الهوية القومية وتحقق أهدافها غالبا بوسائل ديمقراطية وحضارية، بينما اصولياتنا فإنها مفَتِتة ومُذَرِرة لوحدة الشعب والهوية ومُدمرة للدولة الوطنية وتستعمل العنف لفرض تصوراتها كما تثار شكوك حول علاقاتها مع قوى أجنبية.

وأخيرا فإن ما يجري في بريطانيا ما زال في بداياته ومهما كانت التداعيات فإن ثقافة الديمقراطية والحوار التي تسود في الغرب كفيلة بحل كل الإشكالات بطريقة سلمية. أما بالنسبة لتداعيات ما يجري على دول الشرق الأوسط، فهي متعددة منها ما هو اقتصادي وما هو ثقافي وما هو سياسي، وسيختلف التأثير من دولة لأخرى، فتأثيره بالنسبة لتركيا مختلف عن دول الخليج مثلا. كما أن تصاعد النزعة العنصرية والقومية المتطرفة يؤكد كونية التطرف والأصولية، مع اختلاف أدوات العمل والأهداف كما سبقت الإشارة، والمهم ألا ترتد أحداث أوروبا سلبا على منطقتنا العربية وخصوصا على القضية الفلسطينية، حيث غالبية قوى اليمين والأصوليات المسيحية تدعم إسرائيل.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
كفى مكابرة، فقد أنكشف المستور
2017-01-31
ترامب وسياسة حافة الهاوية
2017-01-27
السلام: هذا المصطلح المراوغ
2017-01-21
أهمية مؤتمر باريس في انعقاده وليس في مخرجاته
2017-01-15
المزيد

 
>>