First Published: 2016-07-12

تقرير تشيلكوت وعقدة الشعب العراقي

 

أقر البريطانيون ضمنا أن كل ما أقيم على التضليل لا يمكن أن يقود إلا إلى نتائج فاسدة. متى يفعل العراقيون مثلهم؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما لم يذكره تقرير تشيلكوت أن ادانة توني بلير صارت ممكنة بسبب زجه ببريطانيا في حرب لم تكن أسبابها القانونية مرضية.

بلير الذي أعلن عن استعداده لتحمل المسؤولية فعل ما يمليه عليه القانون. فما من موظف هنا يمكنه أن يتهرب مما يحدث داخل حدود وظيفته.

غير أن بلير كان مصرا على أنه اتخذ القرار الصحيح. وذلك الكلام لا يمكنه أن يشكل مخرجا له من تهمة تضليل الرأي العام والمشرعين بمعطيات، ظهر في ما بعد أنها كانت ملفقة، ومعدة سلفا من أجل قيام الحرب.

ما من أحد من متابعي الكارثة التي حلت بالعراق لا يعرف تلك الحقيقة، غير أن تشيكلوت احتاج إلى مليونين وستمئة ألف من الكلمات ليقولها.

نفشل في فهم مغزى ذلك التقرير وتقدير قيمته التاريخية حين نستخف بذلك الجهد الجبار فنقول "إنه انتهى إلى النتيجة نفسها التي كنا نعرفها".

ذلك الفشل يلخص أسباب عجزنا في الدفاع عن قضايانا العادلة.

فالتصدي لقضية خطيرة مثل الحرب على العراق والتي لا نزال نعيش تداعياتها المأساوية لابد أن يكون محكوما بإطار قانوني محكم، لا يمكن أن تطاله الشبهات وبالقوة نفسها لا بد له أن يتسامى على العاطفة أو الحماس الذي قد يخترقه مثل ثغرة.

لذلك كانت تلك السبع سنوات وتلك الأطنان من الوثائق والأدلة من أجل ألا تقع حرب أخرى، يفقد من خلالها الشعب البريطاني ثقته بنفسه وبحكومته.

أما الحديث عن تأخر بريطانيا في إقرار حقيقة، كانت موضوعة أصلا على مائدة التداول العام منذ سنوات فلا أعتقد أنه ينطوي على معرفة عميقة بالتاريخ.

هناك جرائم عديدة، مرت عليها عشرات السنين، من غير أن تعترف الدول التي ارتكبتها بمسؤوليتها عنها أو حتى بوجودها.

في مقدمة تلك الجرائم ما تعرض له الأرمن من عمليات إبادة جماعية أثناء الحرب العالمية الأولى. وهي جريمة لا يزال الاتراك ينكرون وجودها.

بريطانيا فعلت العكس تماما. فهي من خلال ادانة توني بلير اعترفت بإن الحرب التي شنتها تحت مظلة الولايات المتحدة على العراق لم تكن شرعية. وهو ما يعني أن اسقاط نظام صدام حسين لم يكن ضروريا بالنسبة للسلم العالمي. وهي الكذبة التي لا يزال بلير يبرر من خلالها مشيه الابله وراء راعي البقر الأميركي.

تقرير تشيلكوت خطوة مهمة في مجال ترسيخ قيم اخلاقية في عالم السياسة الذي يعتقد الكثير من زبائنه ومرتاديه أن قدرتهم على الكذب هي الامتياز الذي يجعلهم يتفوقون على الآخرين. ومن هنا يمكننا أن نفهم إصرار بلير على القول إن التقرير لم يتهمه بالكذب. ذلك لأنه يعرف جيدا أن في الإقرار بتلك التهمة يكمن هلاكه.

وكما أرى فإن تلك الخطوة بحمولتها الأخلاقية تهبنا درسا نافعا في مواجهة ما انتهى العراق إليه من وضع مزر هو نتيجة حتمية للسياسات الموغلة في عدوانيتها التي اعتمدها جورج بوش وحليفه توني بلير حين قررا أن يشنا الحرب على بلد، كانت الحرب الاقتصادية التي شنت عليه منذ 1990 قد شلت قدراته العسكرية في الدفاع عن نفسه ورد العدوان.

لقد أقر البريطانيون ضمنا أن كل ما أقيم على التضليل لا يمكن أن يقود إلا إلى نتائج فاسدة. وهو ما شهده العراق فعلا من قيام دولة فاشلة، تتنازع الأحزاب التي اتبعت المحتل في جريمته على منافع السلطة في أكبر عملية فساد يشهدها التاريخ.

وقد يكون مناسبا للشعب العراقي التذكير هنا بحقه الذي لم يكن مدرجا في أعمال لجنة تشيلكوت. وهو حق لا يضيع بالتقادم. فمثلما لم يكن الوقت متأخرا على وضع بلير في حجمه الحقيقي، تابعا رخيصا لماكنة الحرب الأميركية فإن الوقت لم يتأخر على مساءلة كل مَن ساند الاحتلال وبشر به ويسر له سبل التمكن من الشعب العراقي ووضع نزعته الطائفية في خدمة ذلك المشروع.

عن طريق الإيحاء يضع تقرير تشيلكوت حلا لواحدة من أكثر عقد الشعب العراقي صعوبة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>