First Published: 2016-07-12

شهر بلا كوابيس

 

يمكن اعتبار الصوم فكرة ناصحة وإن تطلب الأمر التخلي عن الدوافع الدينية فيه، لأنه يبعث على المصالحة بين الإنسان وجسده، فالتوقف لمدة شهر كامل عن الإفراط في الطعام والشراب والسهر، فرصة مجانية للاختبار وتقدير طاقة أجهزة الجسد والكف عن الضغط عليها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

صام قائد شرطة في مقاطعة أميركية في بادرة ود تجاه المسلمين في تلك المقاطعة، وعبر عن سروره بتلك التجربة، لأنه تعلم منها ما لم يكن يتعلمه من تناول الطعام واحتساء الجعة والنبيذ!

إدوين سموأل، المتحدث باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، صام أيضا اليوم الأول من رمضان، في تعبير طغى عليه “الجانب السياسي”، لكنه في النهاية دخل مثل هذه التجربة باعتباره ليس مسلما، وكان سعيدا إلى درجة التقط صورا لإفطاره المعد وفق المائدة المغربية ونشرها في حسابه على تويتر.

الصوم وإن ارتبط بالدلالة الدينية، يمتلك فلسفة البقاء في علاقة بين المرء وجسده، إنه أكبر من كونه طقسا دينيا محصورا بالمسلمين وحدهم، بل نظام صحي يقف حائلا بين الجسد والإفراط في الطعام والشراب.

اسمحوا لي أن أتحدث عن تجربتي، على الأقل من أجل الدفاع عن مثل هذه الفكرة التي أؤمن بها في الصيام، فحتى العقد الثالث من عمري لم أصم، وحدث بعدها وأنا أمارس التدريس في بلد عربي بشمال أفريقيا، لاحظت أن جميع طلبتي صائمون! وكان من المعيب اجتماعيا أن أكون مُدرسهم وفاطرا! وهكذا دخلت التجربة تحت وطأة العرف الاجتماعي في تلك البلاد، فالصيام شائع هناك ليس بسبب ضغط ديني صارم.

ويا لها من تجربة مذهلة، بعد يوم واحد تخلصت تماما من الخمول والصداع، ومنحني الصيام إعادة تشكيل العلاقة مع جسدي من جديد، تكيّف الجسد مع فكرة التوقف عن الطعام والشراب، وأعاد الدماغ طريقة التفكير وإنتاج الأحلام، الأحلام مختلفة كليا عند جسد الصائم، كانت تجربة لا أروع منها اكتشفتها في بداية العقد الثالث من عمري ولم أفرط فيها إلى اليوم، مع أن كل الكلام الديني السابق الذي قرأته من قبل لم يقدم لي مثل هذا الإغراء للإقدام على الصوم.

لذلك يمكن اعتبار الصوم فكرة ناصحة وإن تطلب الأمر التخلي عن الدوافع الدينية فيه، لأنه يبعث على المصالحة بين الإنسان وجسده، فالتوقف لمدة شهر كامل عن الإفراط في الطعام والشراب والسهر، فرصة مجانية للاختبار وتقدير طاقة أجهزة الجسد والكف عن الضغط عليها.

لقد مر رمضان شهر المصالحة مع الجسد سريعا ومفيدا إلى درجة أنه يبعث بإنذارات بيولوجية لمجرد العودة إلى طريقة مؤذية لإرهاق الجسم.

الطعام مسرة، لكن سلوكنا الاجتماعي المبالغ فيه سلب منا مثل هذه المسرة، والصيام يمنحنا فرصة استعادة تلك المسرة عبر إعادة العلاقة من جديد بين ما نفكر فيه وما نقدم على تناوله من طعام وشراب وسهر، على الأقل لإعادة دورة حياتنا من دون قلق وكوابيس، فالطعام مصدر للكوابيس!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>