First Published: 2016-07-14

ضع عدوك تحت نظرك

 

الأجواء التي تمر بها المنطقة لا تقبل توسيع حجم العداوات السياسية والأمنية لبلد كبير مثل مصر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

"ضع عدوك تحت نظرك". هذه عبارة سمعتها من دبلوماسي مصري كبير مؤخرا، حاول من خلالها شرح أسباب تقارب مصر مع عدد من الدول والحركات التي كانت العلاقات معها غير إيجابية وربما عدائية، وزاد أن هذا التوجه يقلل من قيمة الخسائر الناجمة عن العداء السافر، أو الدخول في مواجهات مفتوحة، ليس هذا زمانها.

عندما تتمعن العبارة السابقة سيكون من السهولة تفسير الكثير من التصرفات السياسية التي بدت غير مرضية بالنسبة لكثيرين في العامين الماضيين، حتى أن البعض اعتبر الصبر على ممارسات سلبية صدرت من هنا أو هناك ضعفا.

لكن هي في الحقيقة سياسة النفس الطويل التي ترمي إلى كبح جماح الخصوم، وعدم الانسياق وراء ما يحيكونه من مكائد، تستنزف الوقت والجهد، وقد تبعد مصر عن أهدافها الرئيسة، وكان الرد عليها يأتي حاسما عندما تمس المغالطات أوتارا حساسة يصعب السكوت عليها.

لعل رفض الانجرار وراء الاستفزازات الكثيرة التي صدرت من جهات أميركية، وتركيا وقطر وإسرائيل وحركة حماس وفصائل ليبية، والسودان أحيانا، تؤكد هذه السياسة، والتي حققت أغراضها بنجاح، ومكنت مصر من تجنب الانشغال بمهاترات، كان من الممكن أن تؤدي إلى نتائج أشد قتامة، حال الانسياق خلفها، ردعا أو انتقاما.

المعالم البارزة لهذه السياسة ظهرت تجلياتها خلال الأشهر الماضية مع حركة حماس، التي اتخذت جملة من الإجراءات أضرت بالمصالح المصرية، مع ذلك جرت لقاءات في القاهرة وقطاع غزة مع قياداتها، للتوصل إلى تفاهمات توقف الحركة عن مواصلة خطواتها السلبية، وتم تجاوز الكثير من المرارات والاحتقانات التي ترتبت عليها، لأن مجاراتها في العداء من المؤكد سوف تتفوق فيه مصر، لكن التداعيات الناجمة عنه قد تكون وخيمة، على المصالح المصرية، والقضية الفلسطينية، والأمن القومي العربي برمته، لأنه يدفع في النهاية إلى مزيد من ارتماء الحركة في أحضان من لا يريدون لكل هذه الملفات الاستقرار، لذلك كان من الأجدى أن تفتح لعدوك نافذة أمل وتضعه تحت نظرك السياسي.

الضجة التي صاحبت زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لتل أبيب مؤخرا، تعزز هذه السياسة أيضا، خاصة أن التطورات الإقليمية تسير في صالح إسرائيل، التي نجحت في نسج علاقات متينة مع عدد من الدول الأفريقية، وهو ما كشفت عنه جولة بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة في أربع من دول حوض النيل، ويفرض كسر برودة السلام معها على المستوى الرسمي، ناهيك عن النتائج التي يمكن أن تتمخض عن التحركات المتعلقة بعملية التسوية السياسية، والتي تلعب فيها مصر دورا مهما منذ زمن لم يتم التفريط فيه.

الإمعان في الابتعاد عن إسرائيل في هذا التوقيت، سوف يزيدها انتقاما، خاصة أن لديها من أوراق الضغط السياسي والأمني على المستوى الإقليمي ما يمكنها من مضايقة مصر، فهي لديها مصالح مع حركة حماس تجعلهما تتفقان حول أهداف محددة، ولو بصورة غير مباشرة، وذاب الجليد الذي تراكم على علاقاتها مع تركيا، ما يدفع الأخيرة لمحاولة تكريس نفوذها في غزة.

وكلها أيضا عوامل تفضي إلى مزيد من التركيز مع إسرائيل على جميع الأصعدة، لأنها سوف تظل غير مأمونة، ومهما بلغت ليونة اللغة السياسية التي يتحدث بها قادتها الآن، فهي عدو إستراتيجي فعلي لمصر.

هذا الحديث يجرنا إلى الحالة التركية، التي ارتفع اللغط حولها، بسبب تضارب توجهات عدد من قادتها، لكن في النهاية صب جميعها في مربع التغيير حيال مصر، والتي من البداية ابتعدت عن مجاراة المناوشات التركية، ونظرت إليها باعتبارها فقاعات أو مكايدات من الضروري تجاهلها، وكان هناك إدراك مبكر بالتفرقة بين حزب العدالة والتنمية والشعب التركي، بل ويقين أن أنقرة سوف تضطر صاغرة إلى تغيير سياساتها، الأمر الذي ظهرت معالمه خلال الأسابيع الماضية.

في اعتقادي أن التجاوب مع الإشارات القادمة من تركيا توجه حصيف، لاسيما أن مصر اشترطت عدم المساس بالثوابت الأساسية، لأن تغليب حسابات الانتقام يجبر خصومك على الغلو في العداء، لذلك عندما تمد إليهم يد التعاون وتتفهم ضعفهم، وتضعهم أمام عينيك سوف تكون على دراية أكبر بهم، ما يمكن أن يقلل الخسائر المحتمل أن تتصاعد، إذا تواصل انفلات العقال السياسي، في ظل اتساع نطاق علاقات تركيا مع كل من، إسرائيل وحماس وقطر، وكلهم يمكن وضعهم في سلة الخصوم الحقيقيين.

الأجواء التي تمر بها المنطقة، وتمخضت عن حالة كبيرة من خلط الأوراق، لا تقبل توسيع حجم العداوات السياسية والأمنية، وتحتم على دولة في حجم مصر، بظروفها الحالية، وعمقها الحضاري، وموقعها الجغرافي، ومصالحها الإستراتيجية، تقليص عدد الخصوم، طالما هناك فرصة لذلك.

فالعالم الذي يقوم على التداخل في المصالح الاقتصادية، والتشابك في الأبعاد الأمنية، وتزداد فيه وتيرة التقاطعات بين القوى المختلفة، وتتغير فيه سريعا حركة التوازنات السياسية، لا يحتمل رفاهية الدخول في مواجهات معروف سلفا نتائجها وأضرارها، لكنه يفرض على مصر كدولة محورية ألا تغيب عينيها عن خصومها، مهما بلغت قسوتهم أو حتى ليونتهم، المهم اختيار الطريقة المناسبة.

 

محمد أبو الفضل

الاسم محمود الحمد الدليمي
الدولة العراق بيتنا \\

arab = JARAB

2016-07-14

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>