First Published: 2016-07-17

من الكرادة الى نيس القاتل المجهول معلوم

 

المجتمع الذي أنتج قتلة، يتحمل جزءا من المسؤولية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا تنفع معرفة هوية منفذ الجريمة التي وقعت في نيس الفرنسية في شيء.

لن تقلل من حجم الخسائر البشرية ولن تمنع وقوع جريمة شبيهة في أي وقت.

غير أن ذلك لا يعني أن يفر ذلك الإرهابي بجريمته إلى الموت مجهولا. بالنسبة للأجهزة الأمنية في الدول المتقدمة لا يشكل التعرف على المجرم مشكلة. غير أن ذلك غالبا ما يحدث بعد وقوع الجريمة. وهنا بالضبط ما يمكن أن يدخل في باب اللاجدوى.

أقصد أن منع وقوع الجريمة من خلال منع منفذها من تنفيذها هو الانتصار الحقيقي.

وهو أمر لن تكون الأجهزة الأمنية إلا طرفا واحدا من أطراف عديدة تساهم في إنجازه، دفاعا عن سلامة وأمن وطمأنينة المجتمع.

فالنار التي عصفت قبل وقت قصير بحي الكرادة ببغداد لا تزال مشتعلة بالرغم من أنها خبت ظاهريا. وهو ما يجعلني أتوقع اشتعالها في أماكن أخرى. وليس ذلك بسبب اسباغ طابع الانتقام الطائفي عليها من خلال ردود الأفعال الوحشية بوعودها حسب بل وأيضا بسبب عدم الاكتراث الذي دأبت الأجهزة الرسمية على التعامل من خلاله مع جرائم من هذا النوع. من مظاهر ذلك الإهمال المتعمد أن تبقى هوية منفذ الجريمة مجهولة.

وكما رأينا فإن عدد القتلة المجهولين في العراق هو في ازدياد مستمر منذ أن وقعت كارثة الاحتلال وحتى اليوم. وقد يكون مناسبا لسياسيي الأحزاب الطائفية ان يبقى القاتل مجهولا من أجل أن يستمروا في ابتزاز بعضهم البعض الآخر، وهو ما يوفر حطبا وهميا للمحرقة الطائفية.

وليس من الانصاف أن يُجمع ليل فرنسا بليل العراق في سلة واحدة.

وهو ما لا يتعلق بالضحايا. فهم أبرياء من تلك اللعنة التي صنعت منهم عن طريق الصدفة مادة لاستعراض القوة الذي يقوم به عدو طائش ومنحط ومبتذل من أجل أن يُري أعداءه المفترضين مقدار همجيته.

الضحايا يقفون في صف واحد في مواجهة الجريمة.

غير أن الفرق يكمن في أن ليل فرنسا يمكن ان تضيئه مصابيح المعرفة في حين تتراكم طبقات الجهل على ليل العراق لتزيده حلكة وسوادا.

يُفجع الفرنسيون بأخبار الجريمة غير أنهم لا يتوقعون أن يُخرج الموت راسه من كل منعطف يمرون به ليتصيدهم فيما يتوقع العراقيون أن يكون الموت في انتظارهم ما أن يغادروا بيوتهم.

يثق الفرنسيون بأجهزتهم الأمنية. لا لان الشرطي لا يُخيف فذلك أمر مفروغ منه في الغرب بل لأن تلك الأجهزة تضع خبرتها في خدمة المجتمع. وهي حين تعالج المشكلات الأمنية فإنها تراعي ما يمكن أن تحدثه معالجاتها الصارمة من تداعيات وانعكاسات على المستوى الاجتماعي.

لذلك فإن ما نراه غير نافع في معالجة مشكلة أمنية، كانت قد وقعت انما يدخل في سياق التعرف على أسباب تلك المشكلة والعودة إلى جذورها وتفحص الطريق التي تقود إلى تفكيكها ومعالجة تبعاتها وهو ما ينفع في التصدي لإمكانية تكرارها.

قد لا يكون كل ذلك الكلام النظري مقنعا لأحد في ظل ما يشهده عالمنا اليوم من تزايد مضطرد في عدد الانتحاريين وعدد العمليات الإجرامية التي تنفذ في حق الأبرياء وعدد المنظمات الخارجة على القانون التي صارت تستفيد من المناطق الرخوة في جسد مجتمع، لم يتخلص بعد تماما من داء العنصرية ومن ضمنها الطائفية.

بالنسبة للدول التي تحترم حياة مواطنيها فإن الوضوح في المكاشفة هو ما يضع كل شيء في مكانه الصحيح. لذلك فإن أحدا لن يقوى على التماهي مع كذبة القاتل المجهول التي دأبت لدول لا ترى في حياة مواطنيها معنى يذكر على ترويجها.

القاتل يُسمى ويتم الإعلان عن هويته من أجل ألا يتخلى المجتمع عن مسؤوليته.

المجتمع الذي أنتج قتلة، يتحمل جزءا من المسؤولية. وهو ما يدفع ذلك المجتمع إلى إعادة النظر في أساليبه التربوية وسبل استثماره لطاقة أفراده وطريقته في النظر إلى ما ينطوي عليه خيالهم من مهارات في مجال الحياة كما في مجال الموت.

بين الكرادة العراقية وبين نيس الفرنسية تحرك قاتل معلوم، خُيل للكثيرين أن صدمة التعرف عليه ستجعله مجهولا إلى الأبد.

 

فاروق يوسف

الاسم محمد سعيد
الدولة العراق

فتاوى دينيه من اصحاب الدين السفياني هي المحرك والمنفذ اغبياء بلا حدود

2016-07-17

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>