First Published: 2016-07-17

عطب في مركبة الحقيقة

 

الصراعات في العالم بفعل العصر الرقمي بوصفه أداة فائقة التوصيل، جعلت من الحقائق وكأنها نقائض، الأخبار المتداولة على كثرتها تحمل أكثر من وجه لحقيقة غائبة، اشترك فيها الجمهور وسقطت وسائل إعلام محترفة في شراكها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ببساطة، تبدو مطاردة الأخبار فعلا يائسا بالنسبة للصحف، لذلك أصيبت مركبة الحقيقة بالعطب! عطب مستمر ليس من السهولة إصلاحه، كانت تلك المركبة تحمل علبة واحدة أو في أقصى الأحوال اثنتين… ثلاثا، لكن جوهر تلك العلب لم يكن يرتقي إلى درجة الخلاف وإثارة الشكوك والالتباس بين الناس.

اليوم الصراعات في العالم بفعل العصر الرقمي بوصفه أداة فائقة التوصيل، جعلت من الحقائق وكأنها نقائض، الأخبار المتداولة على كثرتها تحمل أكثر من وجه لحقيقة غائبة، اشترك فيها الجمهور وسقطت وسائل إعلام محترفة في شراكها.

وصار على نحو متزايد، ما يعتبر حقيقة مجرّد رأي لشخص ما يشعر أنه على صواب، أو يريد إيصال فكرة بدافع ما، وسهلت التكنولوجيا انتشارها بسرعة لا يمكن تصوّرها.

هناك من الشائعات الكثير الذي حمل مواصفات الأخبار بنية خبيثة وبتلاعب متعمّد وهدفه إشاعة الذعر، أو لإيصال رسالة معينة، ومهما يكن فدوافع تلك “الرسائل- الأخبار” أصبحت تنتشر بنفس الطريقة، إن كانت نبيلة أو شريرة.

ليس من السهولة أن يتفق الجمهور اليوم على ما يمكن أن يسمى بالحقائق، هذا لا يعني أنه لا توجد حقائق، لكننا لا نستطيع أن نتفق على ماهية تلك الحقائق بوجود هذا الكمّ الهائل من المُرسِلين. وعندما لا يكون هناك توافق في الآراء بشأن حقيقة ما، ولم يعد بإمكان وسائل الإعلام كمنصات تلقى قبول الرأي العام لتحقيق ذلك، فهذا يعني أننا نقترب من الفوضى.

ويرى دانييل سيترون الباحث القانوني والخبير في قضايا التحرش على الإنترنت، في تأثير تلك “الحقائق- النقائض” بأن الناس يندفعون تجاه المعلومات بغض النظر عما إذا كانت خاطئة أو مضللة أو غير مكتملة، لأنهم يقدمون على الحصول عليها بدافع تعلم شيء ذي قيمة.

وبإمكان المتابع العربي أن يتخذ من الحرب المتصاعدة في العراق وسوريا نموذجا لقياس غياب الحقيقة، الصحف والقنوات التلفزيونية أظهرت تحيزا واضحا تجاه الوضع الراهن، وأبدت تقديرا للسلطة أو لمعارضيها على حدّ سواء، مما جعلها تدفع ثمنا باهظا أفقدها ثقة الجمهور.

تحميل الأخبار على الهواتف الذكية يبدو أشبه بدورة مكررة سواء كان مصدرها موثوقا به أم لا، لكن وعلى نحو متزايد صارت مصادر تلك الإخبار غير ذات مصداقية، وصار من السهولة نشر الأكاذيب والأخبار المضللة عن عمد بوصفها حقائق، الأمر الذي يضفي الشرعية على الأكاذيب ويجعل من مهمة غرف الأخبار في الصحف اليومية أكثر صعوبة في وضع تلك الإخبار في مرشحاتها التي لم تعد قادرة على تصفيتها من الأكاذيب.

مثل هذا الأمر دفع كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان البريطانية إلى التحذير من انتشار هذا النهج الملتبس حول مفهوم الحقيقة، لأنه يوحي بأننا كصحافيين في خضم تغيير جوهري في قيم الصحافة وتحوّلها إلى مصدر تجاري استهلاكي بدلا من تعزيز الروابط الاجتماعية والديمقراطية، والارتقاء بوعي الجمهور والحد من الفساد السياسي.

غياب الحقيقة عن وسائل الإعلام يقود إلى منع اختيار المجتمعات لخطاباتها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

وترى فاينر أن تحويل الأخبار مثل”سلعة استهلاكية” يخلق نوعا جديدا من عصابات نشر الأكاذيب تتناسب مع ما يريدون ترويجه من أجل مصلحة شخصية ضيقة وتعزيز معتقدات خاصة بهم، بدلا من نشر الحقائق.

والعصر الرقمي سهّل أكثر من أيّ وقت مضى نشر تلك المغالطات والأكاذيب التي تقف من ورائها حكومات أو مؤسسات دينية أو حزبية، وسرعان ما تنتشر بين الأخبار بوصفها حقائق ومعلومات صحيحة.

ووصل الأمر أن تنقاد لها وسائل إعلام عرفت بحرفيتها العالية من أجل الظفر بخبر عاجل، لكنها سرعان ما تتراجع عن ذلك بعد اكتشاف التضليل، الأمر الذي يوضح طبيعة المأزق.

المعلومات تتدفق أكثر من حاجة وطاقة البشر اليوم، ومع ذلك يزداد تدفقها بوتيرة مخيفة من كميتها الهائلة ومن طبيعة تأثيرها، كل ذلك أفقد الصحافيين مقود “صناعة الرأي” لأنه لم يعد مقتصرا عليهم، لكن فرصتهم في العصر الرقمي وشيوع دور المواطن الصحافي، تكمن في صناعة محتوى يعيد ثقة الناس بوسائل الإعلام، تقدم الحقائق والمعلومات لا أن تتلاعب بالعقول، ويا لها من مهمة جديرة بالاندفاع.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>