First Published: 2016-07-18

لمن القيادة الأوروبية؟

 

ألمانيا تبدو الزعيم الطبيعي للحشد الأوروبي بطموحاته ومشاكله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

بصرف النظر عما إذا كانت بريطانيا ستتابع مسيرة الخروج من الاتحاد الأوروبي أم لا، ثمة أسئلة مقلقة ومحيرة ظهرت مؤخرا حول تداعيات الخروج البريطاني، ومن بينها مسألة القيادة الأوروبية ولمن ستؤول في النتيجة. والملفت أن هذه الأسئلة المثارة هي أميركية المنشأ وليست أوروبية التوجس بالضرورة. فعلى الرغم من رمزية الموقف الأميركي المعلن بعدم الرضا عن الخروج البريطاني باعتباره يفقد واشنطن ورقة قوية في توجيه السياسات الأوروبية من خلال لندن، إلا أن القراءة الدقيقة، تظهر حاجة واشنطن الدائمة لحليف أوروبي موثوق، قادر على فرملة أي قضية تتباين أو تتعارض مع المصالح الأميركية أوروبيا ودوليا.

ظهرت مؤخرا مؤشرات واضحة وقوية عبر مستشارين وأصحاب قرار في السياسات الأميركية الخارجية، تحبذ دفع ألمانيا نحو أخذ القرار بقيادة أوروبا، ذلك من منطلق الحاجة الأميركية لشريك قادر على التأثير في باقي القوى الأوروبية، رغم أن ذلك يتعارض مبدئيا وعمليا مع البرغماتية الأميركية، التي عادة ما تبحث عن حلفاء ليسوا بالضرورة أقوياء، بقدر ما يكونون مطواعين. وتاريخيا لم تكن ألمانيا من ضمن الخيارات الأميركية المتاحة، إلا أن ثمة جوانب كثيرة تدفع واشنطن في هذا الاتجاه حتى نهاياته المحتملة، بصرف النظر عن حجم وكم ونوع الاستثمارات الناجحة في هذا السياق.

فألمانيا التي تمتلك وحدها 23 بالمئة من الناتج الإجمالي الأوروبي، تكاد تنفرد كذلك بحجم الفوائض المالية التي بلغت في بداية العام 2015 ما يفوق 300 مليار يورو، وهو رقم يُعتد به في سياق الأزمات الاقتصادية وحتى المالية التي عصفت بالعديد من دول الاتحاد الأوروبي نفسه، ما مكّن ألمانيا من البقاء كواحة اقتصادية ملفتة وسط تدهور اقتصادي دولي واضح حتى في الاقتصاديات التي يُعتد بها عالميا. ومهما يكن هذا الأمر الذي يعتبر أيضا من متطلبات الزعامة والقيادة، إلا أن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه، هو هل تريد ألمانيا القيادة والزعامة؟ أم أنها تفضل كما ظهر سابقا في عدة مجالات، أسلوب القيادة الخلفية لأسباب واعتبارات ألمانية وأوربية خاصة.

في المبدأ، ثمة محطات ومظاهر ووقائع من الصعب تجاوزها والقفز عنها، أولا معرفة رأي أصحاب القرار الحاليين في ألمانيا، وهل باستطاعتهم المضي لاحقا في أي مشروع من هذا القبيل؟ من حيث المبدأ إن تتبع مواقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميريكل مؤخرا، تظهر الميل نحو الزعامة والقيادة الأوروبية، لكن الأمر مرتبط بالانتخابات التشريعية العام القادم، ليتقرر بداية من سيكمل اتخاذ مثل تلك القرارات، رغم صعود التيارات القومية في ألمانيا المناهضة للانغماس أكثر فأكثر في مشاريع الاتحاد الأوروبي، وثانيا ثمة أسباب موضوعية داعمة وتعزز مثل تلك التوجهات من بينها مثلا لا حصرا، الانزلاق العسكري الألماني كما تسميه تلك الجماعات في بعض ما يطالب به حلف الناتو، ومن بينها زيادة 2% من الموازنة العامة الألمانية لمتطلبات الدفاع، وهو يعكس رغبة أطلسية متزايدة في مواجهة روسيا شرقا، وهو أيضا ما ترجمته ألمانيا عمليا بدخول أول دبابة ألمانية إلى بولندا منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مؤشرات لا تخلو من النزعة الألمانية المقموعة منذ الاتفاقيات المبرمة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت من ألمانيا نمرا من غير أسنان ومخالب.

وبذلك ثمة من يقول في ألمانيا، أن الزعامة الألمانية المتاحة حاليا، هي مناسبة من الصعب أن تتكرر، وهي بمثابة المخرج الذي ينبغي استغلاله لإعادة تموضع الحضور في الكيفية التي تليق بالوزن الألماني، وسط فراغ محتمل بعد الخروج البريطاني.

في أي حال من الأحوال، ثمة ثابتة متداولة ومتعارف عليها، أن الفراغ لا يحتمل في التوازنات الإقليمية والدولية، وأن كثيرا من الأسباب الوجيهة والمعتبرة التي تدفع أيا قوة لملء الفراغ، فهل ستكون ألمانيا، الجواب بيد الألمان وحدهم بصرف النظر عن رغبة الآخرين بذلك أم لا، إلا أن الواضح تاريخيا، أن النزوع الألماني نحو الريادة أمر شائع وثابت في العقل الجمعي الألماني، فهو يبدأ بأصغر تفصيل، ولا ينتهي بالضرورة بالزعامات الإقليمية والدولية، إذا أن التدقيق في الكثير من أسباب الحروب، كان دافعها النزعة نحو الرياسة والتملك والسيطرة، وأن الألمان ليسوا بعيدين عن ذلك، بل ربما يعتبرون أنفسهم قدرا لذلك وليس خيارا.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>