First Published: 2016-07-18

معجزة اللبنانيين

 

يفتي اللبنانيون كثيرا في سياسات غيرهم رأيا وتفسيرا في حين يقفون عاجزين عن حل اللغز السياسي اللبناني نفسه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بلد من غير رئيس، لبنان منذ سنتين. لم تقع كارثة. يمكن لذلك البلد أن يستمر من غير رئيس إلى ما لا نهاية من غير أن يقع فيه شيء استثنائي. برئيس أو من غيره فإن الحياة مستمرة في لبنان. فهل كان اللبنانيون يكذبون على أنفسهم وهم ينظرون بأمل إلى قصر بعبدا؟

لا أحد في إمكانه أن يجزم بمعرفته بوظيفة الرئيس.

لقد عطلت ميليشيا مسلحة هي حزب الله الاستحقاق الدستوري الذي ينص على ضرورة انتخاب رئيس في أوقات محددة. ولكن ذلك التعطيل لم ينفعها في شيء كما أن صعود مرشحها إلى سدة الرئاسة لن يوسع من نفوذها. فهي موجودة بسلطة الأمر الواقع. وهو واقع لن يغيره وجود رئيس، بغض النظر عن وجهة نظر ذلك الرئيس في سلاحها غير القانوني.

سلاح حزب الله غير المرخص قانونيا في إمكانه في أية لحظة أن يصيب الحياة في لبنان بالشلل التام. لذلك يمكن لنظر إلى مسألة تعطيل ذلك الاستحقاق الدستوري باعتباره حدثا طبيعيا، يؤكد من خلاله ذلك الحزب هيمنته على الحياة السياسية برمتها.

ديمقراطيا فإن وجود الكتلة الموالية لحزب الله في مجلس النواب لا يمكن الاعتراض عليه، ولكن عيب تلك الكتلة يكمن في أنها لا تضع نصب أعينها مصالح الوطن والمواطنين حين يتعلق الأمر بالتشريع أو بتفاصيل الحياة السياسية.

لا شيء بالنسبة لتلك الكتلة يعلو على مصلحة الحزب أو يقف إلى جوارها.

ولكن جذر المشكلة ليس هنا، بل في تبعية حزب الله لإيران. وهو ما يعني أن إيران تملك كتلة نيابية في لبنان. وبما إن تلك الكتلة قد أصبحت هي الكتلة الأقوى فإن إيران هي التي تقرر مصائر الاستحقاقات الدستورية.

وهكذا عكف المجلس الذي يفترض أنه يضم ممثلي الشعب على نفسه، منفصلا عن الشعب، كما لو أنه كيان مستقل لا يربطه بالشعب اللبناني شيء سوى الكلفة المالية الباهظة التي يسببها وجوده.

وبالرغم من أن اللبنانيين لا يكفون عن الحديث في السياسة، بطريقة توحي بأن كل واحد منهم هو خبير ألمعي لا في ما يتعلق بالشرق الأوسط وحده بل بالعالم كله، فإن الشأن اللبناني يظل بالنسبة لهم لغزا محيرا، لا تمكنهم خبراتهم من اختراق حجبه.

وإذا كان من الطبيعي أن تتعطل الحياة السياسية في بلد يعجز مجلسه النيابي عن الاجتماع منذ سنتين لانتخاب رئيس للجمهورية فإن من غير الطبيعي أن يستمر اللبنانيون في النظر بجدية إلى ما يطلقه سياسيو الطوائف من تصريحات نارية، هي ليست في حقيقة ما تهدف إليه سوى واجهات يتأكد من خلالها أولئك السياسيون من استمرار وجودهم الضاغط على المجتمع.

كل ما يقوله السياسيون اللبنانيون يدخل في نطاق الحكايات التي يتسلى بها الناس العاديون من غير أن يكون لها أثر يذكر على حياتهم التي أخذت قالبا جاهزا، يستلهم نسبة اندثاره وخسائره من حالة الموت السريري التي تعيشها السلطة التشريعية.

صحيح أن اللبنانيين لا يحتاجون رئيسا، ما دام غياب الرئيس لم يحدث خللا واضحا وسط الفوضى التي يستمدون منها أسباب العيش، غير ان عجز السلطة التشريعية في مواجهة واجباتها لابد أن ينعكس سلبا على ثقة المواطن بمواطنته، بمصيره مواطنا، بحقه في أن يكون له صوت في الحياة السياسية في بلده.

لقد أصاب حزب الله السلطة التشريعية بالخرس، وهو ما يعني أن كل الأصوات التي انتخبت أعضاء مجلس النواب وحملتهم إلى ذلك المكان الرفيع قد ألقي بها كما تلقى النفايات التي صارت بالصدفة بمثابة فضيحة سياسية.

أن يستمر اللبنانيون في الكلام فتلك حقا معجزة في بلد ذهبت أصوات مواطنيه إلى الصمت المطلق.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>