First Published: 2016-07-22

مجزرة السعادة

 

في ميزان الربح والخسارة فإن البشرية خسرت بلدا عظيما اسمه سوريا مثلما خسرت في وقت سابق بلدا عظيما آخر اسمه العراق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في ما مضى كانت سوريا واحدة من أكثر دول العالم أمنا بالنسبة للسائح الأجنبي.

يومها لم يكن مفهوم السياحة الفقيرة ليزعج أحدا. فسوريا بلد غني بآثاره ومطبخه وسواحله وياسمينه وزيتونه ورمانه ومنتجعاته السياحية وكرم أهله بلغتهم التي تفوح رضا ولم يكن الذهاب إليه مكلفا.

كان هناك نوع من التوازن الأخلاقي هو ما يميز السوريين عن سواهم من سكان البلدان السياحية. ذلك التوازن يلمسه السائح في الخدمة الراقية التي تقدم له من غير أن تكون مصحوبة بضعة مَن يقدمها أو تودده المنافق الذي قد يسبب الازعاج للآخرين ممَن يخشون أن ينزلق بهم ذلك التودد الزائد إلى الخديعة.

ذات مرة أخبرتني مرشدة سويدية بعد أن سألتها النصيحة في مسألة الذهاب إلى سوريا أن المرء لا يتعرض في ذلك البلد للاحتيال إذا ما ذهب سائحا. قالت "عبر سنوات عملي الطويلة لم أتلق شكوى من سائح ذهب على سوريا تفيد أنه تعرض لعملية خداع أو دفع ثمنا لخدمة زائفة".

كل هذا الكلام صار اليوم جزءا من ماض لا يمكن استعادته.

فسوريا التي صارت خلال السنوات الخمس الماضية محجا لسياح من نوع مختلف تصنف اليوم واحدة من أكثر بقاع العالم خطرا. الأخبار والصور التي تأتي من هناك تنقل حجم الكارثة التي ضربت ذلك البلد. وهي أخبار وصور حقيقية، لا يمكن أن يخالطها الزيف إلا بنسب ضئيلة، قد لا تكون مؤثرة.

ما انتهت إليه سوريا من مصير مأساوي، كان من أبرز سماته قطع يديها الكريمتين الممدودتين بكرم شعبها إلى العالم ذكرني بمشهد، كان قد صدمني فيما كنت أجوب مكتشفا بين دروب حي باربوس الباريسي. ذلك الحي الذي يقيم فيه المهاجرون القادمون من أفريقيا وجلهم من الجزائر هو أشبه بمتحف فلكلوري أقيم في الهواء الطلق.

كان هناك محل لبيع اللحوم (الحلال) وهو أمر متعارف عليه في تلك الأحياء. كان اسم ذلك المحل مكتوبا بالعربية وهو "مجزرة السعادة". حينها مرت في خيالي ذكرى المجازر التي شهدها العالم العربي وصارت عناوين لتنقله بين فصول مأساته التي تصغر أمامها المآسي المتخيلة الكبرى.

قلت لنفسي "علي أن أضيف إلى مجزرتي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا مجزرة جديدة، عنوانها السعادة". تلك الضحية التي نسيت بين ملفات أيامنا الكئيبة. كان اسم ذلك المحل معبرا بطريقة شاملة عما فقدناه ونحن نهندس أفعالنا على أساس الصراع بين الغرائز والعقائد، وهو صراع لا يزال يلهم عصبيتنا الكثير من أسباب غلوها.

سوريا اليوم هي مجزرة السعادة حقا.

لقد استقبل ذلك البلد الذي كان ملاذا في ما مضى آمنا للسياح، ارهابيي العالم القادمين من مختلف الجهات بغرائزهم الوحشية ليضفوا على محنته صبغة عالمية، يكونون من خلالها سفراء الشر الذين قررت أوطانهم التخلي عنهم إلى الأبد. هم بهذا المعنى هدية العالم إلى سوريا، وهو التعبير الأمثل عن الانحطاط الأخلاقي الذي صار عالمنا المعاصر يتخبط بين ثناياه.

ما فقدته سوريا فقده العالم بأسره.

خسر العالم بلدا آمنا، كان عنوانا للسلام والطمأنينة. فجأة صارت البلاد التي لم يعد منها أحد خائبا المكان الذي يجب أن يخشاه الجميع. وبدلا من أن يعترف العالم بأنه قام بتصدير الإرهاب إلى سوريا صار يضع يده على قلبه وهو يتنصت إلى خطى القادمين من سوريا، فاتحا أمامهم أبواب سجونه.

صار الاعلام يتحدث بوقاحة عن الإرهابيين القادمين من سوريا.

اما سوريا نفسها فلم يكن لأحد أن يكترث بمصيرها وقد صارت مجزرة للسعادة.

في ميزان الربح والخسارة فإن البشرية خسرت بلدا عظيما اسمه سوريا مثلما خسرت في وقت سابق بلدا عظيما آخر اسمه العراق. وليست الحرب على الإرهاب إلا عنوانا جانبيا لتلك الخسارة التي التهمت تجلياتها أية إمكانية للتفكير بسعادة محتملة.

يوما ما سنتذكر أن البشر كانوا يعودون من سوريا سعداء.

 

فاروق يوسف

الاسم كافي
الدولة ارض المهرجين

اصحاب الدين السفياني القطري السعودي التركي وفتاوى ابناء عم نتن ياهو من شيوخ الجزيره زائدا\' اصحاب الاقلام الربيعو صهيونيه هم سبب التدمير \\ ولعن الله من يهرج بان الشيوعيه كفر والحاد

2016-07-23

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>