First Published: 2016-07-22

فشل الانقلاب في تركيا فائدة للعرب وفلسطين

 

أخطاء السياسة لأردوغان كثيرة، ولكن المنطقة في غنى عن فوضى إضافية تضاف إلى فوضى الربيع العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

بالرغم من تعدد القراءات بشأن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا لدرجة تشكيك البعض بأن العملية مسرحية يقف وراءها أردوغان نفسه لتصفية خصومه السياسيين المستقوين بواشنطن أمثال غولن وغيره والذين تعجز الآلية والمؤسسات الديمقراطية عن محاسبتهم أو وقف نشاطهم وهو تفسير ضعيف في رأينا حتى وإن وظف أردوغان محاولة الانقلاب لتصفية خصومة السياسيين، بالرغم من كل ذلك فإن هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة تؤكد أن الشعب التركي ومؤسساته الديمقراطية قد شفيا تماما من وباء العسكر وانقلاباته وأنهما باتا محصنين بالمُنجز الديمقراطي، ثقافة ووعيا ومؤسسات، وأن لا رجعة إلى الوراء لزمن حكم العسكر أو للديمقراطية الموجهة من الجيش.

لا شك أن العسكريين الذين حاولوا القيام بالانقلاب استغلوا ارتباك وتوتر علاقة الحكومة المنتخبة والرئيس أردوغان، سواء فيما يتعلق بإدارة المشاكل الداخلية مع المعارضة وحزب العمال الكردستاني، أو فيما يتعلق بالتدخل في الشأن السوري وصيرورة الأمور إلى ما لم يكن يتوقعه اردوغان، وتوتر العلاقة مع اطراف متعددة كروسيا الاتحادية ومصر والاتحاد الاوروبي، وانعكاس كل ذلك على الوضع الاقتصادي، وهو مسار جاء بعكس ما كان يأمل الرئيس اردوغان ورئيس الوزراء المستقيل عندما تحدثا عن تصفير مشاكل تركيا مع العالم الخارجي، كما لا يمكن تجاهل طبيعة شخصية اردوغان المهيمنة وتطلعه لتحويل نظام الحكم لنظام رئاسي يمركز كل السلطات بيديه، وهي وإن كانت حالة تتوافق مع ثقافة الشرق ومفهوم القيادة والزعامة، إلا أنها اثارت حساسية عند احزاب المعارضة التركية التي تخوفت من تهميش دورها في الحياة السياسية وتحويل النظام السياسي ليس فقط لنظام رئاسي بل تحويله من نظام يقوم على التعددية الحزبية وتداول السلطة إلى نظام الحزب القائد أو الحزب المهيمن.

ولكن الديمقراطية مسار أو خيار شعبي لا يمكن أو لا يجب النكوص عنه لأنها خيار المستقبل وحكم العسكر حقبة تم تجاوزها وعودته تعتبر ردة إلى الوراء، كما أن قيمة الديمقراطية تكمن في توفرها على آليات تصحيح اخطائها وتعديل مسارها دون الخروج عن ثوابتها، ولا يوجد نظام ديمقراطي بما فيها الديمقراطيات الغربية إلا ومرت بأزمات وعرفت تعثرات ولكنها لم تفكر بهجر الخيار الديمقراطي وكانت تجد في الديمقراطية حلولا لكل المشاكل ما دام الشعب هو صاحب القرار النهائي. الديمقراطية ليست منزهة عن الخطأ ولكنها تبقى أقل الأنظمة سوءا مقارنة بغيرها.

عندما خرج الشعب التركي في مواجهة الانقلابيين لم يكن خروجه دفاعا عن شخص أردوغان بل دفاعا عن الديمقراطية ومنجزاتها، وخصوصا وهو يرى الوضع الكارثي في دول العالم وتحديدا العربي نتيجة دخول الجيش والجماعات المسلحة في الحلبة السياسية، والشعب التركي يستحضر في ذاكرته كيف كانت تركيا خلال حكم العسكر أو الديمقراطية الموجَهة من الجيش، وكيف أصبحت عليه في ظل النظام الديمقراطي وحزب العدالة والتنمية، وفي هذا السياق جاء رفض احزاب المعارضة للعملية الانقلابية، لأنها تعلم أن حكم الجيش لن ينهي حكومة حزب العدالة والتنمية فقط بل سيُحَجم كل الأحزاب السياسية وينهي كل المسار الديمقراطي أو يضعه تحت وصاية الجيش (ديمقراطية أبوية وموجهة).

سعدنا بفشل المحاولة الانقلابية في تركيا ليس فقط من باب الانتصار للديمقراطية بل أيضا لأننا ندرك النتائج الكارثية التي كانت ستحل على العرب وعلى القضية الفلسطينية في حالة نجاح الانقلاب. لذا فقد استهجنا مواقف بعض الأطراف الإعلامية العربية التي رحبت بمحاولة الانقلاب حتى قبل أن تنجح، وهو موقف يدل عن ضيق أفق سياسي أو عن حقد سياسي أو يدخل في باب المناكفات السياسية. صحيح أن لنا مآخذ على السياسة التركية فيما يتعلق بالتدخل في سوريا أو كيفية التعامل مع الانقسام الفلسطيني أو عودة التطبيع مع إسرائيل دون التزام تركيا بما تعهدت به حول رفع الحصار عن غزة، إلا أن كل ذلك لا يبرر مناصرة أية محاولة للعودة لحكم الجيش وذلك للأسباب التالية:

1) عانت الشعوب العربية كثيرا بسبب غياب الديمقراطية، وقدمت وقواها الحية كثيرا من الشهداء والمعتقلين من أجل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وعندما تحركت الشعوب بداية ما يسمى بالربيع العربي، وقبل أن ينتقل الربيع العربي لفوضى الجماعات المسلحة، كان مطلب الديمقراطية هو المحرك الاساسي للجماهير، فكيف لعربي أن يؤيد حكم الجيش؟

2) إن انقلابا عسكريا في تركيا في هذا الوقت بالذات، وخصوصا إن كان مدعوما من واشنطن، لن يكون إلا امتدادا لفوضى الربيع العربي وكان سيُدخل تركيا في حالة من الفوضى ستترك تداعياتها على مجمل الحالة العربية، وإن انتقلت فوضى الربيع العربي لتركيا فإنها ستمتد لدول الخليج العربي، ونعتقد أن واشنطن وتل ابيب ستكونان سعيدتين في هذه الحالة.

3) إن كان يؤخذ على أردوغان وحكومته وحزبه علاقاتهم بحلف الأطلسي واعترافهم بإسرائيل وإعادة التطبيع معها، فهذه أمور أُسس لها وبدأت في ظل حكم العسكر أو الحكومات التي كان يرعاها، وذلك قبل مجيء أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

4) صحيح أن تركيا في ظل أردوغان وظفت القضية الفلسطينية لتعزز نفوذها عربيا وإسلاميا وتحظى بتأييد شعبي داخلي وخارجي، الأمر الذي ساعد على فتح الاسواق العربية أمام منتجاتها... إلا أنه في نفس الوقت حرك اردوغان المياه الراكدة بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي وأحرج إسرائيل في بعض القضايا.

5) مع أننا نرفض المنطق والتوجه الذي يفسر الصراع في المنطقة على أساس طائفي، سني وشيعي، إلا أن الواقع يقول بتشكل محور سني في مواجهة محور شيعي، وتعتبر تركيا أردوغان سندا قويا للمحور السني في مواجهة ما يراه أهل السنة تهديدا فارسيا شيعيا من إيران.

6) لا يمكن القبول أو الترحيب بأي نظام سياسي يأتي عن طريق واشنطن أو تدعمه واشنطن والغرب في هذا الوقت بالذات، حيث افتضح دور واشنطن في إثارة فوضى الربيع العربي ومخططاتها لتفكيك المنطقة بما يخدم مصالح الغرب وإسرائيل فقط.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
كفى مكابرة، فقد أنكشف المستور
2017-01-31
ترامب وسياسة حافة الهاوية
2017-01-27
السلام: هذا المصطلح المراوغ
2017-01-21
أهمية مؤتمر باريس في انعقاده وليس في مخرجاته
2017-01-15
المزيد

 
>>