First Published: 2016-07-23

الكراهية هي الإرهاب الممكن

 

في يوم ما قادم سينتهي الإرهاب وتنظيماته لكن الكراهية ستبقى حية بيننا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

"أنا الماني" يصرخ الإرهابي المسلح فيرد عليه الآخر "أنا الماني أيضا" وقع ذلك الحوار المتشنج في ميونخ التي عصف بها الإرهاب فجأة.

في نيس الفرنسية كان المشهد مختلفا تماما. فالإرهابي الذي قتل العشرات من الأبرياء دهسا بشاحنته لم يصرح بهويته ولم يتح لضحاياه بأن يصرخوا بهوياتهم.

أما في الكرادة العراقية فإن المئات من البشر الذين أحرقوا بطريقة مبتكرة لم يُسمع لهم صوت، بل أن جثثهم اختلطت بجثث القتلة من غير أن يتمكن أحد من فهم وتحليل واستيعاب ما جرى.

الجرائم الثلاث تختلف في عناصر تركيبها وطريقة إخراجها ولكنها جميعا تؤكد حقيقة أن الإرهاب لم يعد حكرا على طرف دون الآخر وليست الدوافع العقائدية كافية لتفسير الانزلاق إليه وأخيرا فإن ترويج الكراهية في اتساع في الوقت الذي يشهد العالم فيه عقد تحالفات بين الدول لمحاربة التطرف.

قد يكون مريحا بالنسبة للبعض أن يكون ارهابيو ميونخ من الالمان، ولكنه خبر كئيب يحدث شرخا عميقا في واقع الاحتمال التبسيطي السائد، الذي يميل إلى أن يكون الارهابيون من المسلمين، رسلا من داعش. وهو ما كان الاعلام الفرنسي قد روج له في شأن منفذ عملية نيس الذي تبين لاحقا أن لا صلة له بالتنظيمات الإرهابية.

اعلان الكراهية في أوروبا لم يعد خافيا على أحد.

فحين يصعد ممثلو اليمين المتطرف إلى السلطة التشريعية (البرلمان الأوروبي وبرلمانات عدد من الدول الأوروبية) فإن ذلك يعد مقياسا لشعبية النهج العنصري. ولم تكن نتيجة استفتاء الخروج البريطاني من أوروبا الموحدة إلا واحدة من أعراض ذلك الداء الذي استيقظ بطريقة متوحشة.

وإذا ما كان إرهابي ميونخ قد استعرض عنصريته في وجه الأجنبي الذي ظنه لاجئا سوريا فإنه كان قد تناسى عن عمد أن اللاجئين السوريين هم أيضا ضحايا الإرهاب وما كان لهم أن يكونوا لاجئين لولا ذلك الإرهاب الذي ضرب بلادهم، بدعم مباشر من أجهزة مخابرات دولية ومنها المخابرات الألمانية.

لا أحد بريء من صناعة الإرهاب.

اما حين يفعل اليمين الأوروبي المتطرف ما تفعله التنظيمات الاسلاموية المتطرفة فإنه يؤكد وبشكل ملموس أن الأمور ما كان لها أن تنتهي في عدد من بلدان الشرق الأوسط إلى الكارثة لو لم يكن هناك مخطط لالتزام ورعاية التطرف الذي قاد إلى ممارسة الإرهاب في حق المجتمعات.

هناك مَن يقول "أكرهكم من أجل أن تكرهوني" لا يحتاج إلى أن يقولها كاملة. التصريح بالكراهية وحده يكفي لأن يواجه العالم مصيرا مضطربا.

فجيعة من هذا النوع تضع الحضارة البشرية كلها في مواجهة عدو بدائي، تمكن من أن يتسلل إلى الضمير البشري بأدوات، تبدو لأول وهلة كما لو أنها تستعمل للدفاع عن الذات في مواجهة الآخر، غير أنها ليست كذلك أبدا.

فالإرهاب الذي يضرب متذرعا بالاختلاف هو تجسيد مثالي للعودة إلى ما قبل عصر العولمة التي تقوم أساسا على القبول بالتنوع. هي عودة إلى الوراء يتساوى فيها الألماني المريض بهويته الألمانية بالداعشي المهووس يإسلامويته. الاثنان ينهلان من نبع واحد هو الكراهية. كراهية الآخر الذي يفقد في تلك المعادلة حقه في العيش بسبب اختلافه.

لقد دعم الإرهاب وهو يضرب ميونخ لدى البعض فكرة أن المستشارة ميركل كانت قد أخطأت في استقبال ذلك الكم الهائل من اللاجئين السوريين من غير التفكير بالخطأ الذي جعل من الإرهاب فعلا ممكنا في عدد من بلدان الشرق الأوسط.

لذلك يمكن القول إن الرد الفرنسي على جريمة نيس بتكثيف الحرب على داعش هو نوع من الدعاية التي تخون الحقيقة. فالكراهية التي هي مصدر كل إرهاب هي أكبر من ذلك التنظيم الإرهابي الذي سيضمحل إلى أن يختفي بمجرد معالجة أسبابه. وهو ما لا يرغب أحد حتى اللحظة في القيام به.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
الربيع العربي بنسخته القطرية
2017-07-10
المزيد

 
>>