First Published: 2016-07-24

مليون نسخة من صحيفة، أم مليون متابع على تويتر

 

أن يكون لصحيفة عربية مليون متابع 'حقيقي' على تويتر وفيسبوك، يعني أن الصحافة العربية حققت حلمها التاريخي وعوضت السنوات التي كانت تستخدم فيها لصناعة الأكياس ولف الأطعمة في عربات الباعة المتجولين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

قبل أقل من عقد من السنوات، وقبل أن تظهر الملامح الكاملة لمواقع التواصل الاجتماعي بوصفها الدولة الأكبر في الكون، كان سايمون جينكنيز يبدي سروره لقارئ عموده الصحافي على موقع صحيفة الغارديان البريطانية، لكنه سيكون مسرورا جدا، لو كلف هذا القارئ نفسه، الجهد والمال البسيط لشراء الصحيفة الورقية من الأكشاك، أو اتفق مع صبيان الصحف الذين يوزعونها صباح كل يوم من على دراجاتهم الهوائية.

استعان جينكنيز بصورة شاعرية عندما تمتزج رائحة الحبر مع رائحة الأشجار أمام المنازل عند توزيع الصحف، لكنه كتب وبشكل “فظ” إلى حد ما، واتهم القارئ على الإنترنت بالإسهام في خسارة الصحيفة، “إنك تقرأ مجانا، لا تدفع شيئا مقابل ما أعرضه عليك”، وأصبح أكثر توترا عندما استعاد جملة الشاعر والموسيقي الأميركي الراحل جوني كاش “يلعن عينيك”! damn your eyes.

تحولت شتيمة الغزل الغنائي هنا إلى منقذ للتعبير عن فكرة، ألا يكون كل ما هو متاح على الإنترنت مجانيا بشكل مطلق.

كان جوني كاش يتغزل بالعينين عندما لعنهما، أما سايمون جينكنيز فلعنهما بطريقة لا تثير الغضب، لكنها توضح ما يتوق إليه.

لم يكتب جينكنيز ما كتبه في الغارديان، إلا ليعبر عن سعادته بفكرة شاعت آنذاك ودفعت إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ إلى الدفع باتجاهها لاستحصال رسوم مالية مقابل المحتوى الذي تقدمه الصحف على الإنترنت، لم تصمد تلك الفكرة كثيرا وتخلت صحف عديدة عنها، بما فيها بعض صحف مردوخ نفسه، وعادت بعد سنوات تقدم محتواها المجاني على الإنترنت.

لم تبد القضية اليوم ببيع المحتوى الرقمي، بل كيف تحصل الصحف على قراء ومتابعين لما تعرضه، وبالطبع من دون التنازل الرومانسي عن فكرة المال.

اليوم يحق لسايمون جينكنيز أن يطلب “متابعين” لمقاله على مواقع التواصل الاجتماعي بنفس طريقته السابقة في المطالبـة بمقـابل مالي إزاء قـراءة ما يكتب.

لكنه كما يُظهر حسابه على تويتر ليس شغوفا كثيرا بمثل هذه الفكرة، ولديه 13 ألف متابع فقط، مع أنه من درجة مستوى الكتّاب الذين يفترض أن يتابعهم المئات من الآلاف.

أصبح الشغف بالمتابعين-القراء مساويا في قيمته الافتراضية للمال وممهدا لاستقطاب المعلنين، وهذا ما توفره، بطبيعة الحال، منصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

فعندما يمتلك أحدهم مثلا، نصف مليون متابع على تويتر، ويقترح على حسابه الشخصي مقالا أو قصة إخبارية نشرتها أحدى الصحف، فهذا يعني في أقل اعتبار أن ثمة مئة ألف اطلعوا عليها، مثل هذا الرقم لا تحظى به أكثر الصحف العربية توزيعا.

مئة ألف قارئ “توفره فكرة المتابع والصديق الافتراضي” رقم يبدو من الابتهاج إلى درجة أن “صناعة الرأي” نجحت بقدر كبير في إيصال فكرة ما إلى قراء من مختلف التوجهات.

ويبدو ذلك سببا كافيا لجعل الصحف تولي عناية فائقة بمنصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكون لديها من المتابعين من لديهم الملايين أو مئات الآلاف من الأصدقاء الافتراضيين.

عندما توجهت رئيسة تحرير صحيفة الغارديان، كاثرين فاينر، الشهر الماضي لاستقطاب القراء والتنبيه على أزمة الصحيفة المالية، ذكّرت بأهمية الأرقام في المتابعة والتعليق، بوصفها نتيجة فائقة لمحتوى مقروء، عندما قالت إن 17 مليون قارئ تصفحوا الجريدة يوم إجراء الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتم عرض 77 مليون صفحة، وسجل القراء 131 ألف تعليق، الأمر الذي يؤكد أهمية ما تقدمه الغارديان للقراء في شتى بلدان العالم.

وبطبيعة الحال يمكن معرفة كم من هؤلاء القراء استخدموا حساباتهم الشخصية في تويتر وفيسبوك، وكم منهم استدلوا على القصص الإخبارية من روابط وضعت على مواقع التواصل الاجتماعي.

فكرة الأرقام على مواقع التواصل الاجتماعي لن تدخل “نادي الأولاد الأذكياء في الحساب”، بل تمارس سطوتها على نادي الأموال والمعلنين وهي بدورها من تجلب الأموال، وبطريقة متقدمة عما كان دعا إليه سايمون جنكنيز قبل سنوات.

مليار مستخدم لفيسبوك يجعل من الأهمية بمكان أن يكون بينهم مئات الآلاف من القراء لحساب صحيفة ما، وهذا توجه إعلاني داعم لاستمرار الصحافة الورقية.

أن يكون لصحيفة عربية مليون متابع “حقيقي” على تويتر وفيسبوك، يعني أن الصحافة العربية حققت حلمها التاريخي وعوضت السنوات التي كانت تستخدم فيها لصناعة الأكياس ولف الأطعمة في عربات الباعة المتجولين.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
ركود رقمي، الورق يعني الورق!
2017-02-12
غمازة كاظم الساهر الواهنة
2017-02-07
مفعول ترامب دواء للكساد الإخباري
2017-02-05
لماذا نضرم النار في مدننا؟
2017-01-31
ترامب لعبة صحافية لا تُمل
2017-01-29
اللغات لا تتقاتل
2017-01-24
المزيد

 
>>