First Published: 2016-07-25

في استثمار الاستبداد

 

لا يزال هناك مَن يحلم بظهور المستبد العادل الذي سيكون في إمكانه أن يقلب الطاولة وينشئ عالما مثاليا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لم يخفت الحديث في المجتمعات العربية عن الحاجة إلى مستبد عادل. بل أن الحنين إلى زمن الاستبداد يزداد مع اخفاق تلك المجتمعات في محاولة فهم حاجتها إلى الديمقراطية، في ظل عجز شامل عن العثور على البديل.

لم يستفد أحد من الفوضى التي انتشرت كالنار في الغابة بعد سقوط الأنظمة المستبدة سوى رافعي راية الإسلام السياسي، انطلاقا من مقولة "الإسلام هو الحل". وهي مقولة تجريدية لا يمكن تصريفها عمليا.

بعد سنوات من الخلخلة تبين أن المشروع الإسلامي وهي تسمية تظل محل التباس لا يصلح حتى لإنتاج مستبد عادل، على غرار الولي الفقيه الإيراني، الذي يستند في استبداده إلى دعم قوى خفية، لم يتمكن محمد مرسي في مصر ولا نوري المالكي في العراق ولا راشد الغنوشي في تونس من استدعائها ووضعها في الخدمة.

كانت الصفة الرسمية أكبر منهم.

وقد يكون الخميني محظوظا حين ورث دولة أنشأها محمد رضا بهلوي في سياق محاولته تحديث بلده وعصرنتها. ذلك الإرث المتماسك والقوي هو ما حمى الخميني من السقوط في زلات استبداده الذي لا يستند إلى مقومات واقعية.

ما يُرى من أثر للدولة في إيران هو في حقيقته ثمرة الاستبداد الشاهنشاهي.

ولو كانت إيران حين اعتلى الخميني عرشها عام 1979 قد تعرضت لما تعرض إليه العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 لما رأينا لها أثرا الآن.

فالخميني لم يكن النموذج المثالي للمستبد العادل. بل أن سلوك رجل الدين الذي نصب نفسه وليا فقيها لم يكن يتصف بأي درجة من درجات العدالة. كان صادق خلخالي هو صورة جنائزية عن ذلك القلب الذي يخلو من الرحمة.

وهكذا فإن الحلم بالاستبداد لن يشكل هو الآخر حلا.

فالممكن الوحيد من صور الاستبداد، هو الاستبداد الديني. ذلك ما يقوله الواقع اليومي في أجزاء كثيرة من العالم العربي. وليس مهما بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي أن تستولي على دولة بأكملها لتبدأ في القيام باستعراضات استبدادها.

ألا يزهو حزب الله بمستبده العادل حسن نصرالله؟ الرجل الذي لا يخفي غروره ولا غطرسته ولا استخفافه بالآخرين ولا بالقانون الذي يساويه بالآخرين.

ولكن هناك مَن عبر عن اعجابه ببلاغة ابي بكر البغدادي التي أعادتنا إلى أيام الفتوحات المجيدة. الرجل الذي يقود جماعة عدمية ركز البعض على اطلالته البهية، من غير أن يربط ذلك البعض بينه وبين الزمن الوحشي الذي افتتحه مقدمه.

تبدو الحياة العربية في هذه اللحظة المصيرية بالذات عاجزة عن انتاج شيء مختلف، شيء في إمكانه أن يعيد المجتمعات إلى سويتها. ولكن السؤال المحرج يتعلق بمدى صدق تلك المجتمعات في الرغبة في التحرر من أوهام الإسلام السياسي.

لقد فشلت الأحزاب الدينية فشلا ذريعا في حكم العراق. تجلى ذلك الفشل في فسادها الذي منع قيام دولة في ذلك لبلد الذي حُطمت دولته بفعل الاحتلال الأميركي. ولكن هل سيمتنع المجتمع الذي يصرخ شبابه كل يوم "باسم الدين سرقنا اللصوص" عن منح ثقته لممثلي الأحزاب الدينية في الانتخابات القادمة؟

انا متشائم إلى درجة ألوم فيها نفسي بسبب ذلك التشاؤم.

ولكن طبيعة التفكير السائد في تلك المجتمعات لا تشجع على التفاؤل.

لا يزال هناك مَن يحلم بظهور المستبد العادل الذي سيكون في إمكانه أن يقلب الطاولة وينشئ عالما مثاليا، تعود فيه الثروات المنهوبة إلى الشعب.

هناك خيال حزبي يستثمر حلم الاستبداد شعبيا. وإذا ما عرفنا أن فكر الإسلام السياسي لا يمني الناس إلا باللحظة التي يظهر فيها المستبد العادل (الامام المهدي لدى الشيعة) يمكننا أن نكتشف مدى خواء الرهان الشعبي على ظاهرة، لا تملك مقومات الحياة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الانتحار الكردي بعد التمرد السني المغدور
2017-09-24
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
المزيد

 
>>